#adsense

“اللواء”: سياسة “النأي بالنفس” أرضت الحكومة وأغضبت قوى 8 و14 آذار

حجم الخط

كتب حسن شلحة في صحيفة "اللواء": نجحت حركة الشعب السوري الاحتجاجية خلال عام مضى من النضال في تأكيد ذاتها كحركة سياسية ساعية لإحداث تغيير جذري في البنية الأساسية للنظام، لينعكس فيما بعد على جميع نواحي الحياة السياسية للمواطن السوري.

خلال عام مضى على الثورة التي يقودها جيل جديد من الشباب السوري المتواجد في جميع المدن والقرى والأحياء والشوارع السورية، مستخدماً أدوات العصر للتواصل مع الآخر في جميع دول العالم، نجح قطاع واسع من الشعب السوري الذي يقوده جيل الشباب في كسر «الطوق» و«القيد» الذي استخدمه النظام طيلة أربعين عاماً بهدف عزل الداخل السوري بكل ما فيه عن الخارج، أي عن العالم كله.

خلال عام مضى مليء بالتضحيات نجحت حركة الإنتفاضة أو الثورة (التسمية لا تهم) في كشف «المستور»، ورفعت الغطاء عن عورات النظام الذي لم يجد وسيلة لتغطيتها سوى استخدام الأدوات الأمنية، وهي أدوات «عمياء» لم تعد تصلح في القرن الواحد والعشرين أداة للتواصل الحقيقي بين الحاكم والمحكوم، فجاءت انتفاضة الشعب السوري لتؤكد حقها في حركة سياسية سليمة عصرية ترغبها ان تسود في المستقبل، عناوينها الحرية، والمساواة، والديمقراطية، والانفتاح، وليس القتل والقمع واستخدام ادوات البطش التي شكلت الدافع الرئيسي بعد اربعين عاما لهذه الثورة وتفجرها على هذا النحو.

مما يؤسف له ان النظام الذي سلك طيلة تلك العقود الماضية هذه الدروب المفعمة بثقافة الغاء إرادة الملايين عبر كم الافواه وصم الاذان، ساهم الكثير ممن امتهنوا حرفة تزيين الاخطاء من القيادات السياسية والفكرية والاعلامية لبنانياً وعربياً دفع النظام إلى الغرق في نهجه «الهرم» عبر التزلف وتزيين الاخطاء، ولذلك عندما تفجر الغضب الشعبي لم يستطع هؤلاء ان يتراجعوا عن نهج «التزلف» الذي امتهنوه فأمعنوا مجددا في تسويق نظرية «المؤامرة على دولة المقاومة والممانعة»، ومرة اخرى على الصاق فكر التطرف بالحركة الشعبية، ومما يؤسف له ايضا ان اصوات هولاء طيلة عام مضى من عمر الثورة حازت على اهتمام اولي الامر (بسبب وحدة الثقافة) وتقدمت على غيرها من الاصوات التي دعت منذ الاسابيع الاولى الى اهمية سلوك الحل السياسي بدلا من الحل الأمني، فالقضية التي تشغل اهتمامات الشعب السوري هي قضية سياسية بإمتياز، فكيف يصح ان تعالج قضية سياسية بأدوات امنية؟ ولكن عندما بدأت القيادات السياسية في السلطة طرح الحل السياسي عبر بعض العناوين كانت الغلبة للأدوات الامنيّة، مما ضيّع على النظام فرصة الحل المناسب، وضيّع على النظام فرصة حقيقية لتجديد نفسه واصلاح نهجه ومؤسساته في الوقت المناسب.

وفي لبنان منذ عام مضى ونهج الحكومة القائل «بالنأي بالنفس» ما زال لغاية الآن محل تجاذب بيد كافة القوى السياسية، ففي الوقت الذي يرى فيه «بعض» الحكومة ان سياسة «النأي بالنفس» استطاعت ان تحمي لبنان من تداعيات الاحداث السورية، وبالتالي حافظت على استقرار لبنان رغم ما هو سائد من انتقادات واحتجاجات عليها.

يرى مصدر سياسي في قوى المعارضة اللبنانية ان الحكومة لم تنفذ سياسة «النأي بالنفس» بل سلكت طريق «الزج بالنفس» في الاحداث السورية، فأين النأي بالنفس عندما نرى وزير خارجية لبنان يدافع عن النظام السوري بحماس يفوق النظام السوري نفسه في جميع الاجتماعات الدولية والإقليمية والعربية، وأن انحياز الحكومة اللبنانية للنظام السوري دفع بلبنان إلى الخروج على الإجماع العربي، في الوقت الذي نحن فيه بأمس الحاجة إلى التضامن العربي والدعم العربي سياسياً ومادياً، وكذلك لخروجه عن شبه الإجماع الدولي في مجلس الأمن والأمم المتحدة، فسياسة «النأي بالنفس» جعلت الدولة اللبنانية تقف في مواجهة الشعب السوري مساهمة في قمع تطلعاته نحو الحرية والمستقبل الأفضل، وان لبنان كله سيتحمل وزر وأعباء وسلبيات هذه السياسة المنحازة.

ومن جانب آخر، ترى قوى 8 آذار أن سياسة «النأي بالنفس» التي تقوم بها الحكومة هي سياسة خاطئة ومخالفة لجميع الاتفاقات القائمة بين سوريا ولبنان، وتشكل تنكراً للتاريخ المشترك بين البلدين ولكل ما قدمته سوريا طيلة عقود أربعة مضت من دعم كامل للبنان وخاصة إبان محنته زمن الحرب الأهلية، فسوريا ضحّت بشبابها وقدمت الكثير من أجل إخراج لبنان من أتون الحرب الأهلية، وحافظت على وحدته، وساهمت بإعادة بناء مؤسساته، وأمّنت له الاستقرار المطلوب عندما تخلى عنه الآخرون.

ويطالب هذا الفريق الحكومة اللبنانية باتخاذ إجراءات مشددة وصارمة لضبط الحدود اللبنانية – السورية، وبالتالي منع تهريب السلاح وعبور المقاتلين إلى سوريا، وانه على لبنان الوقوف إلى جانب سوريا التي تتعرض لمؤامرة خارجية كونها دولة مقاومة وممانعة، فسوريا وقفت إلى جانب لبنان إبان جميع الاجتياحات الإسرائيلية، وأمّنت وصول الدعم إلى مقاومته إبان معركة تحرير أرضه، لذلك فان سياسة النأي بالنفس سياسة خاطئة.

من جانبها الحكومة اللبنانية ما زالت مؤمنة بأن سياسة «النأي بالنفس» هي سياسة حكيمة أمنت الاستقرار للبلد، وهي سياسة ليست ضد الشعب السوري كما أن الأشقاء العرب تفهموا المعطيات التي فرضت هذه السياسة.

بعد عام مضى على الثورة السورية لا يبدو في الأفق وجود معطيات يمكن أن تغيّر نهج «النأي بالنفس» لحكومة نجيب ميقاتي تجاه الأحداث في سوريا، كما لا يوجد في الأفق بروز معطيات يمكن ان تغيّر نهج النظام السوري الأمني والذي اعتمده منذ عام مضى باتجاه حل سياسي حقيقي رغم تكليف آلدبلوماسي الدولي العريق امين عام الأمم المتحدة السابق كوفي أنان كمبعوث للامم المتحدة وجامعة الدول العربية معاً. كما ان الشارع السوري لا يبدو رغم استخدام الآلة العسكرية لقمعه انه في طريقه لسلوك ما يدعوه اليه النظام للمشاركة في الاصلاحات التي اعلنها (النظام)، ومن ثم تغيير ما نادى به وعمل من أجله وهو تغيير النظام تغييراً جذرياً يؤمن المشاركة الحقيقية لجميع مكونات المجتمع السوري.
 

المصدر:
اللواء

خبر عاجل