#dfp #adsense

“الجمهورية”: هل باعتماد الدولة المدنية تُحَلّ الأزمة اللبنانية؟

حجم الخط

كتب شارل جبّور في صحيفة "الجمهورية": بعيداً من أيّ تفسير أكاديميّ أو محاولة بحث علميّة عن أصل هذا المصطلح، يرجّح أنّ المقصود بالدولة المدنيّة التي كانت في صميم كلّ الوثائق الـ 14 آذاريّة، وآخرها في وثيقة الذكرى السابعة لانتفاضة الاستقلال، أنّ لبنان ليس دولة علمانيّة بمقاييس الغرب وليس دولة دينية بمقاييس الشرق.

شكّلت انتفاضة الاستقلال في العام 2005 أهمّ حدث سياسيّ في التاريخ اللبناني، إذ لم يسبق أن شهد لبنان تظاهرة شعبية مليونية مسيحيّة وإسلامية ترفع شعارات من طبيعة سياسية، وليس مطلبية، متجاوزة الانقسامات الطائفية لمصلحة البعد الوطني الذي يجسّد المساحة المشتركة بين اللبنانيّين. وهذا البعد بالذات، أي الوطني، هو الذي أعاد الاعتبار للبعد المدني اللبناني من خلال تبديته جوهر الموقف السياسي على الانتماء الطائفي والمذهبي، والذي تمّت ترجمته، على سبيل المثال، بتأييد المسيحيّين لمواقف الرئيس سعد الحريري، والمسلمين لمواقف الدكتور سمير جعجع.

فالأزمة اللبنانية هي في الحقيقة مجموعة أزمات ومن بينها المسألة الطائفية، غير أنّ المعضلة الأساسية تتّصل بالخيارات السياسية، بمعنى أنّ الصراع على السلطة بين المسيحيّين والمسلمين عشية الحرب الأهلية مثّل جانباً من هذه الأزمة، فيما الجانب الأهمّ كان في اختلاف رؤيتهم حيال دور لبنان في الصراع العربي-الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، فضلاً عن هويّة هذا البلد وعلاقاته مع جيرانه أو الخارج بشكل عام، وبالتالي القضيّة هي قضية خيارات قبل أيّ شيء آخر.

واللحظة الوحدويّة في ثورة الأرز ليس سببها نبذ اللبنانيّين الذين احتشدوا في ساحة الحرية لطوائفهم ومذاهبهم، إنّما مردّها إلى اتّفاقهم على "لبنان أوّلا" و"الدولة أوّلا" وتحييد لبنان عن لعبة المحاور التي ألحقته بسوريا وإيران وحوّلته إلى مجرّد صندوقة بريد وساحة لنفوذهما ورسائلهما.

فلو اعتمدنا الدولة المدنية اليوم قبل الغد هل تُحَلّ معضلة سلاح الحزب؟ وما قيل في وثيقة "البيال" حول وجوب "تحرير الدولة من الارتهان لشروط القوى التي تتحصّن داخل بيئاتها الطائفية بهدف الاستقواء على الدولة وإبقائها دولة محاصرة وعاجزة عن القيام بواجباتها الأساسية"، هو كلام جميل، ولكن كيف يمكن تحرير الدولة من "حزب الله" الذي يُخضع هذه الدولة بقوّة سلاحه. وإذا سلّمنا جدلاً أنّ جزءاً من مشروع "حزب الله" هو طائفيّ، ولكنّ الجزء الأكبر من مشروعه مرتبط بخيارات إقليميّة تتجاوز حدود لبنان وطائفته التي يتحصّن داخلها حماية لهذا المشروع أكثر من حرصه على تمثيلها أو تحسين هذا التمثيل.

فالمشكلة بالدرجة الأولى هي مشكلة ولاء للبنان، وقبل حسم هذا الولاء سيبقى مشروع الدولة في لبنان معلّقاً، أكان اسمه دولة طائفية أو مدنية أو علمانية، وبالتالي مفتاح حلّ الأزمة اللبنانية غير ممكن قبل انخراط "حزب الله" وما يمثله في المشروع اللبناني، أو وصول البيئة الحاضنة للحزب إلى لحظة وعي شبيهة بانتفاضة الاستقلال.

وبانتظار الوصول إلى هذه اللحظة اللبنانيّة-الوطنية التي تعبّد الطريق لإلغاء الطائفية لا بأس من تركيز الجهود على تطبيق اتّفاق الطائف لجهة تحقيق المناصفة الفعليّة بين المسيحيّين والمسلمين، هذه المناصفة التي تمّ ضربها من قِبل السوريّين من أجل تشويه التمثيل المسيحي واستهداف المساواة الحقيقية.

ولكن تبقى نقاط ثلاث:

أوّلاً، لماذا لا يُصار إلى التمييز بين التمثيل الطائفي المنصوص عنه دستوريّا وبين الخطاب السياسي، بمعنى أن يكون هذا الخطاب عابراً للطوائف، فيما التمثيل يعكس حقيقة الواقع المجتمعي؟

ثانياً، الدولة اللبنانية ليست دينية على غرار إيران يحكمها رجال دين وشريعة دينية، أو كسائر الأنظمة العربية حيث الشريعة هي إحدى مصادر التشريع، إنّما هي عمليّا دولة مدنية وتسميتها مردّها لرفض المسلمين مبدأ العلمنة.

ثالثاً، يشكّل لبنان الدولة الوحيدة عالميّا القائمة على مبدأ الشراكة المسيحيّة-الإسلامية، فلماذا حقّاً هذا الإسراع من أجل الإطاحة بهذا النموذج الذي قد يفتح الباب أمام ضرب الحضور المسيحيّ في السلطة؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل