#dfp #adsense

من أديب الشيشكلي إلى بشار الأسد

حجم الخط

في 15 آذار عام 44 ق.م. اغتيل يوليوس قيصر داخل مجلس الشيوخ، لأنه همش دور القناصل، وجعل من نفسه حاكماً ديكتاتورياً مساوياً في الأهمية لآلهة ذلك الزمان. وفي 15 آذار عام 2011 اندلعت في درعا الانتفاضة السورية التي شكلت بعد فترة قصيرة نواة المجلس الوطني برئاسة برهان غليون…

في ذكرى هذه المناسبة قررت قيادة المعارضة اطلاق تظاهرات شعبية ضمت عشرات الآلاف من الانصار الذين تجمعوا في محافظات درعا ودمشق وحمص وحماه وادلب وحلب واللاذقية ودير الزور والحسكة وريف دمشق ويبرود.
ورفعت فوق المسيرات يافطات تحمل شعارات متجانسة أكثرها يطالب برحيل بشار الأسد، ويخيّر المقاتلين بين الانتصار أو الموت، على طريقة فرق الكاميكاز اليابانية.

في مواجهة تلك الحشود الغاضبة، شنت أجهزة النظام، أقسى حملات العنف، مستخدمة الدبابات والمصفحات والمروحيات. كما استخدمت في ادلب القناصين لمعاقبة أهل المنضوين تحت لواء "المجلس الوطني السوري". وقد نجح عدد من مصوري التلفزيون في التقاط مشاهد على سطوح المنازل، لقناصين يصطادون ضحاياهم. كما نجحوا في إبراز صور الفتيان وهم يودعون ذويهم من ضحايا القنص، ويتوعدون بالانتقام من بشار الأسد ولو لجأ الى آخر المعمورة.

وكان من المتوقع أن تتلقف الفضائيات العربية المعارضة، تهديد الفتيان ووعيدهم، بجدية مُذَكِّرة بعملية اغتيال الرئيس السوري الراحل أديب الشيشكلي في مجاهل البرازيل، بعد عشر سنوات من هربه.
ومع أن عهد الشيشكلي تميّز بكثرة المشاريع المنتجة والاصلاحات المتطورة، إلا أنه لم يرحم زعماء المعارضة من كل الاحزاب، وأمر بزجهم في السجون.

وبالمقارنة مع هذه المرحلة، لا بد من التذكير ان الشيشكلي في عهد صنيعته الزعيم فوزي سلو، نصّب نفسه رئيساً بموجب استفتاء 1953. وبعد أن وضع دستوراً جديداً للبلاد أنتخب رئيساً للجمهورية طبقاً لاحكامه.

وإعتبرت الاحزاب السياسية المعارضة تلك الخطوة بمثابة تمهيد لفرض الديموقراطية من خلال الديكتاتورية العسكرية. لذلك تشكلت جبهة معارضة لم تلبث أن تصدت لنظام الشيشكلي عبر تظاهرات واسعة قام بها الطلاب والعمال والفلاحون. ولما استخدم الجيش وسائل القمع والعنف، ردت عليه المعارضة بالقاء متفجرات في شوارع دمشق. ثم إمتدت حركة العصيان الى جبل الدروز، فإذا بالرئيس يعلن مقاومتها بقنابل الطائرات التي أغارت على منطقة "السويداء". وقد تعامل معه سلطان باشا الاطرش بكثير من التسامح، خصوصاً عندما اطلق سراح الجنود الاسرى لدى أنصاره. ولكن الشاب نواف غزاله، الذي فقد عائلته بفعل قصف الطائرات، تعقب أديب الشيشكلي مدة عشر سنوات، الى ان إكتشفه مختبئاً في مزرعة نائية داخل مقاطعة تدعى "سيريس". وقبل أن يطلق النار عليه ذكّره بأن هذا عمل انتقامي لضحايا جبل الدروز. وبعد هرب الشيشكلي الى فرنسا، ثم الى البرازيل عبر مطار بيروت، تنادى السياسيون في سوريا الى عقد مؤتمر موسع في حمص حيث أعلنوا ميثاقهم الوطني الذي بموجبه أعيدت الاوضاع الدستورية وانتهت الحرب الاهلية!

في ضوء المقارنات التاريخية، يرفض الرئيس بشار الأسد تصنيف الحال السورية حسب معايير "الربيع العربي"، لأن سوريا في نظره، مختلفة عن كل البلدان التي تأثرت بمناخ الثورات والمتغيرات. لذلك تعاطى مع الاحداث الجارية حوله، من موقع المطمئن الى سلامة النظام واستمراره. وبسبب هذا الاقتناع، حدد السابع من أيار المقبل موعداً للانتخابات التشريعية، استكمالاً لعملية الاستفتاء على الدستور. وهو يتوقع أن ينتخب الشعب نوابه الجدد الذين بدورهم ينتخبون رئيس الجمهورية.

وعلق رئيس المجلس الوطني السوري المعارض برهان غليون، على قرار التفرد باتخاذ خطوات سياسية تتعلق بمصير كل الشعب، بأنها غير شرعية وغير محقة. والسبب في نظره، أنها تجاهلت موقف المعارضة المطالبة باسترداد حقها الطبيعي في الحرية والعدالة والمساواة.

ويرى غليون ان استخدام منطق العنف والاذلال والتصفيات الجماعية من قبل سيد النظام، ليس أكثر من سلوك طبيعي لمن يرى في الخارجين على طاعته، جماعات مأجورة لا تستحق أي عرض سياسي. وبوحي من هذا الاقتناع يمارس بشار الأسد حقه كسيد في وجه عبيد متمردين.

ولما سئل الدكتور غليون عن التسوية الممكنة التي يتحدث عنها الوسيط كوفي أنان، أجاب: لا توجد تسوية ممكنة. صراعنا هو صراع حتى الموت. ولن يتوقف قبل أن تحسم السيادة لأحد الطرفين. وهذا ما يفسر تصميم الشعب على الاستمرار في انتزاع حريته وسيادته مهما كانت التضحيات. بل هذا ما يفسر في الوقت ذاته، الرفض المطلق للنظام بأن يقدم مشروعاً سياسياً متكاملاً يرضي مختلف الاطراف.

ولكن حسابات الرئيس الأسد تنطلق من معطيات مختلفة أهمها:
أولاً – وقوف روسيا والصين الى جانبه بحيث يقيد تحركات خصومه، ويمنعهم من التسلح واستخدام ضغوط الدول الكبرى وتدخلها، مثلما حدث في البوسنة عام 1995.
ثانياً – راهن الأسد ايضاً على تفكك المجلس الوطني، في حال استمرار فشل "الجيش السوري الحر" في منع الجيش النظامي من التقدم وتنظيف جيوب المقاومة في حمص وحلب وادلب ودرعا.

وهذا ما حدث يوم الاربعاء الماضي، عندما أعلن ثلاثة من المؤسسين استقالتهم. واعترض هيثم المالح على ديكتاتورية برهان غليون، وعلى الفوضى المستشرية داخل المكتب التنفيذي.
كذلك انتقد كمال اللبواني صمت المجلس الوطني على تجاوزات "الاخوان المسلمين" الذين احتكروا عمليات توزيع السلاح والاغاثة.

ووصف اللبواني المجلس الوطني بأنه كذبة كبيرة ووهم اكبر. وقال أنه يتوقع المزيد من الاستقالات وانه في صدد الاعداد لمؤتمر يعقد آخر الشهر في اسطنبول بهدف الحصول على ضغط مؤثر من المجتمع الدولي.

وفي تبريرها لقرار الانسحاب، قالت كاترين التلي، انها ترفض أن تكون شاهدة زور على مجلس معطل بفعل شخصيات وتيارات سياسية، على حساب الدم السوري الطاهر. على صعيد الدول الأوروبية، يبدو أنها تواجه وضعاً خطراً شبيهاً بالوضع الذي واجهته في البوسنة صيف 1995. يومها قصف الصرب شارعاً في وسط ساراييفو، ما ادى الى مقتل 38 مدنياً وجرح العشرات. ثم تكرر القصف العشوائي في قرية "واتشاك" حيث اتهمت القوات الصربية بقتل 21 مواطنا. وبناء على مستندات رسمية واعترافات شهود عيان، اعتقل الرئيس ميلوسيفيتش وحوكم لدى المحكمة الجنائية الدولية، أي المحكمة التي تلاحق مرتكبي جرائم الابادة والجرائم ضد الانسانية.
الصحافية ماري كولفن كانت شاهدة على أحداث كوسوفو. ثم جاءت الى حمص لتغطية عمليات القصف، فاذا بوفاتها تتحول شهادة اضافية في الملف الذي تعده فرنسا بطلب من الرئيس ساركوزي.

ويعترف ساركوزي أن الصور التي بثتها الفضائيات عن مجازر حمص وحماه وبابا عمرو، حرضته على وضع ملف لبشار الاسد سوف يرفع الى المحكمة الجنائية الدولية. لذلك طلب من سفيره فرانسوا زيمري أن يسافر الى المنطقة بهدف جمع شهادات تجيز لباريس رفع ملف اتهامي امام المحكمة الجنائية في لاهاي. خصوصاً بعدما وعده وزير خارجية تركيا احمد اوغلو بتأمين وثائق واعترافات تتعلق بمجزرة حماه. وكان اوغلو اول من اطلق وصف ميلوسيفيتش على الاسد بعد حصار بابا عمرو ومنع الصليب الاحمر من الدخول اليها.

يبقى ان نذكر ان سوريا ليست من الدول الموقِّعة على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية، وإن احالتها الى المحكمة عملية معقدة يجب ان تمر بمجلس الأمن للموافقة. ومن المؤكد أن الفيتو الروسي – الصيني سيحول دون تحقيق هذا الامر. علما بأن روسيا جربت كل الوسائل الممكنة من أجل منع المحاكمة عن حليفها ميلوسيفيتش فلم تفلح. وقد توفي الرئيس الصربي اثناء المحاكمة.

ولكن الدول الاوروبية المؤيدة لحقوق المعارضة السورية، لم تجد غير المحكمة الجنائية مخرجاً قانونياً لتخويف الرئيس الاسد قبل اكمال زحف قواته على المدن العاصية، خصوصاً بعدما اعلن الرئيس الاميركي باراك اوباما، عن نيته ازاحة الاسد، وانما بطريقة هادئة، تدريجية من دون صدمات. وفهم ديفيد كاميرون وساركوزي، ان الحل السياسي أصبح بعيدا. ثم جاء بيان الناطق باسم وزارة الخارجية السورية جهاد مقدسي، ليؤكد هذا التوجه، بدليل أن الوسيط كوفي انان عاد من محادثاته مع المعارضة بمقترحات غير مكتوبة وغير ملزمة، الامر الذي يشير الى انتهاء مهمته قبل ان تبدأ.

امام هذا الحائط المسدود، قررت الحكومة الايطالية اغلاق سفارتها في دمشق احتجاجاً على اعمال العنف، وقررت هي ايضاً اعداد ملف عن الجرائم المرتكبة في سوريا.
وفي جنيف أعلنت مساعدة المفوضة العليا لحقوق الانسان هيونغ واكنغ، ان مراقبين من الأمم المتحدة سيتوجهون قريبا الى دول مجاورة لسوريا – اي لبنان وتركيا والاردن – بهدف جمع معلومات عن الانتهاكات المرتكبة في حمص وحماه وادلب ودرعا.

وحول هذا الموضوع كرر الوزير الروسي سيرغي لافروف، موقف بلاده بالاعلان عن معارضته لأي تدخل عسكري او غير عسكري في شؤون سوريا الداخلية. كذلك أبدت الصين استعدادها لارسال مساعدات انسانية تحت اشراف منظمات حيادية، شرط الحفاظ على سيادة سوريا.

وبما أن النظام في سوريا يعتبر المساعدات الخارجية غير متوازنة في خدماتها، فان الأمم المتحدة قد تلجأ الى موسكو في سبيل الحصول على ضوء أخضر للتسوية. عندئذ يعرف الرئيس بوتين كيف يخضع الرئيس اوباما للابتزاز السياسي، ويجبره على سحب صواريخه المنصوبة في تركيا… تماماً مثلما أجبر سلفه خروتشيف خصمه كيندي على سحب صواريخه من المكان ذاته عام 1963.

المصدر:
النهار

خبر عاجل