#dfp #adsense

ذكرى ثورتَي شعبين على نظام استبدادي واحد!

حجم الخط

الأربعاء الماضي الذكرى السابعة لانطلاق ثورة 14 آذار. الخميس الماضي الذكرى الأولى لانطلاق الثورة السورية. كأنما يوم واحد بينهما عمره 7 سنوات. أو فلنقل لحظة واحدة بدأت بين شعبين وصارت زمناً جديداً. ثورتان على نظام واحد. شعبان تحكم بهما نظام واحد. فالذكرى في الثورة السورية ما زالت في الطرقات. وعلى النعوش المرفوعة. وفي المجازر. وفي ساحات حماه وحمص ودرعا وادلب ودمشق وحلب ودير الزور. الذكرى الأولى تحيل على أطفال درعا وتلك الجدران التي هدمتها أنامل غضة خربشت بالطبشور، وكالسحر فتحت كل الأبواب والنوافذ المغلقة. ذكرى الثورة السورية لم تصبح ذكرى بعد. انها تسيل في دماء الحاضر. لم تنتمِ بعد إلى الماضي لأنك تراها في عيون المنتفضين، وفي الصور التي تقابل آلات القتل الجهنمية. الذكرى تمشي أمامك هناك في كل دسكرة، وزقاق وشارع ومدينة. وبلدة: الذكرى الطازجة التي تسير بأقدام المناضلين، تخترق بدمها المعاقل والسدود. الشعب لا يصير ذكرى: انه يصنع الذكرى الأولى من أجل ذكرى ثانية وثالثة ورابعة.. تتوّج ثورته.

أما الذكرى في ثورة الأرز فتحتفل بتلك اللحظات التي افتتحت عصراً عربياً جديداً. عصر الشعوب التي خرجت من القماقم. حطَّمت أسوار الخوف وقفت وانتصبت وصرخت "كفى"! كفى لأنظمة الاستبداد والفساد، كفى للطغاة! كأن كل ثورة عربية بخمس ثورات. بخمسة توائم. كل واحدة تدفع الأخرى كأنها في زحام على بوابات الخروج. من 14 آذار إلى تونس، ومصر واليمن وليبيا وسوريا! أين طغاة الأمس، أين صار قتلة الأمس. أين صار فراعنة الطغيان! ثورتان على نظام واحد. شعبان على نظام واحد. فكأنما الاحتفالان واحد. والدماء واحدة. والأخوة حقيقية هذه المرة. لم تعُد شعاراً يستخدمه النظام للتحكم بهما. صار الشعب اللبناني شقيق الشعب السوري، بدلاً أن يكون البلدان شقيقي "النظام" النظام الواحد. ولهذا، ومع اختلاف الثورتين تبدوان حميمتين، منطلق واحد من موقعين: من بيروت هنا ومن درعا هناك. من دم الشهداء على امتداد أربعة عقود هنا حتى دم الشهيد رفيق الحريري ورفاقه. ومن دماء أهل حماة وسواهم على امتداد عقود ستة حتى دم الطفل حمزة الخطيب. من ساحة الحرية في بيروت هنا إلى ساحات التظاهرات والتصدي والمقاومة هناك.

ثورتان في بلدين على نظام واحد. أن! كم طغى! وكم تجبّر! وما أطول مواكب الضحايا والشهداء على طرقه وفي سجونه وما أقسى آلات التعذيب والبتر والذبح والتمثيل بالجثث!

ثورتا شعبين على نظام واحد. بلافتات واحدة. وأصوات واحدة: "الشعب يريد اسقاط النظام". "نعم للحرية". نعم "للتحرير". نعم "للديموقراطية". نعم" للكرامة". ومن الطبيعي ان يلتقي معنى الحرية "بالتحرير" عند الشعبين: فالنظام تحول احتلالاً. ولا يختلف في ذلك عن أي قوة خارجية محتلة. بل أكثر: يستقيم معنى "الحرية" و"التحرير" "بالجلاء": في لبنان ذكرى جلاء الجيش السوري ومخابراته عنه. وفي سوريا معركة الجلاء ما زالت في زخمها. لم يعُد ذلك النظام بعيداً عن أوصاف الاستعمار. فكل طاغية يحكم ناسه بالقوة وبالنار وبالحديد هو مستعمر. فالنظام البعثي في سوريا (كما في عراق صدام حسين وفي ليبيا القذافي وتونس بن علي ومصر مبارك ويمن علي صالح)، كما في لبنان لم يكن سوى ذلك. استخدم كل الأدوات التي ورثها عن الاستعمار الفرنسي والانكليزي وقبلهما العثماني، وصولاً إلى الكيان الصهيوني: البطش، والتقسيم، والنهب، والقتل. (ليس غريباً ان يقوم العدو الصهيوني، تزامناً مع ما يجري في سوريا، بشن حرب على أهل غزة بالعنف ذاته، وبالهمجية ذاتها، وبالكراهية ذاتها التي تحرك جيش النظام البعثي وشبيحته. ورب قائل فالعدو الاسرائيلي تخلّف في منافسته على قتل الفلسطينيين عن الجيش السوري، ببربريته وبأرقام الشهداء: "التلميذ تفوق على استاذه! فيا للوفاء! ويا للنجابة! ويا لعبقرية المحاكاة والتماثل بين الكيان والنظام. حتى في لغة التداول تشابه حميم. فالعدو يرى في المناضلين في فلسطين وغزة "ارهابيين" وقتلة؛ وهذا ما نسمعه في وسائل الاعلام السورية الرسمية، العدو يلعب لعبة الضحية أمام "جلادي" المقاومة. وهذا ما يفعله حكام البعث. وهنا لا تعود المفارقة في أن اسرائيل تقتل "شعباً" "عدواً" يدافع عن حقوقه، أو في أن سوريا تقتل "شعبها" الذي يطالب بحقوقه، لأن طبيعة معاملة الكيان الصهيوني والنظام البعثي واحدة: أي ان الاثنين، وعلى اختلاف مواقعهما "المفترضة" يتوحدان في النظرة إلى "عدويهما". وهذا ما حصل في لبنان على امتداد عقود: ما ارتكبته اسرائيل من عدوان على اللبنانيين منذ 1968 1969ومن 1982 وما بعدها… لا يختلف عما ارتكبته القوات السورية من اغتيال وخطف وقتل وحصار (نتذكر قصف الأشرفية وزحلة… والهجوم على طرابلس) كأنما الطبيعة واحدة. وهنا بالذات يمكن القول أيضاً إن ما يجمع اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين إزاء العدو… هو ما يجمعهم ازاء المنظومة المعسكرة والمؤمننة في سوريا! اسرائيل اعتدت على عدة شعوب عربية، ولبيبها السوري اعتدى كذلك على عدة شعوب عربية. وعلى هذا الأساس تجتمع الذكريات الفلسطينية المقاومة بوقائع الوجود السوري. بل أكثر! وكما غزت اسرائيل لبنان عام 1982 لتصفية المقاومة الفلسطينية فالنظام السوري أكمل المهمة بأدوات ميليشيوية "مقنَّعة" وسافرة لاسقاط تل الزعتر وإدارة حرب المخيمات. فيا للقاء المصادفات "الموضوعية"!

ومن هنا، يبدو شاقاً، فصل ذكرى انطلاق ثورة الأرز، والثورة السورية… عن الثورات والانتفاضات الفلسطينية، وكل التحركات في الربيع العربي: فمعركة التحرير هي معركة الحرية بكل محمولات الكلمتين. وهنا يمكن الكلام على تداخل الثورتين بدلالاتهما وأهدافهما وآفاقهما، تداخلهما مع تحرير الانسان العربي من كل ما يعوق حركته ويكبل عقله ويُقيد تعبيره، ويحتل ارضه. وهذا يوحي بحقائق منكشفة: ان الشعبين اللبناني والسوري وللمرة الأولى منذ عقود يجدان نفسيهما في موقع واحد. أقصد في موقع حر واحد، يتقدم كل منهما من الآخر، بأيدٍ مفتوحة وبنداءات عالية وباندماج عضوي، في قضية مشتركة معيشة، ملموسة، مرئية، مسموعة، ومحكومة، هي قضية التخلص من هذا النظام الذي وضعهما (على نقيض بعضهما، في مواجهة بعضهما، وعلى عداء بعضهما، لكي يستخدم هذا الانفصال… وسيلة للبقاء تحت شعار "شعب واحد في بلدين"، لكن تحت تسلطه الشمولي الواحد. ونظن أن لقاء الشعبين اليوم بات موحداً بإرادتهما. وليس مجرد شعار "أيديولوجي" وكليشيات من أيام ولت. وهنا بالذات يمكن الكلام على "وحدة" قائمة بين شعبين على حرية كل منهما، واستقلال كل منهما، وتحرر كل منهما. شعار الوحدة العربية (عند أنظمة "القوميات" والعروبة…) كان وسيلة لشرذمة الشعوب العربية، أو على الأقل هدفاً لمضاعفة آلات التسلط عليها، لأنها شعارات "صنعتها" النخب الحاكمة للتمكّن من المجتمعات: مثلاً الوحدة بين مصر وسوريا في الخمسينات، صحيح إنها لقيت ترحيباً شعبياً كبيراً في البداية لكنها صنعت بأيدٍ فوقية، ووُقّعت بحبر ماؤه كثير، وقمعه أكثر! ولهذا فرطت، لأنها ارتكزت على صناعة نظامين لا صناعة شعبين! فالأنظمة الانقلابية لا يمكن أن تحقق وحدة عربية لأنها أنظمة فوقية. وعنفية. وشكلية. ونظرية . ولأنها أنظمة لا تستمر إلاّ على مبدأ التقسيم بتقاسيمه والشرذمة والقبول والخنوع. بلدان بحجم لبنان وسوريا التاريخي والثقافي يفرغان على امتداد عقود من كل مقوماتهما: من التعددية التي كانت سائدة قبل وصول النظام الانقلابي، ومن تداول السلطة ومن الانتخابات البرلمانية، ومن حرية الإعلام، ومن الليبرالية، وحتى الازدهار والاستقرار. ففي سوريا تمت مقايضة الأرض بدوامة الجولان مقابل استمرار النظام وكذلك لواء الاسكندرون مقابل السكوت عنه، بحيث تبدو سوريا اليوم مع النظام الحالي المتداعي أكثر البلدان العربية فقداناً لسيادتها، وجغرافيتها. فالجولان بات من "المقدسات" يُخوَّن من يفكر أن يمس الجيش الاسرائيلي بقنبلة صوتية أو بمفرقعة تزعجه: فالحماية مشتركة ودائمة بين الجيشين السوري والاسرائيلي، ليتفرغ أهل التسلط للبطش والقمع واستراتيجية القتل. ولم يخطئ من قال إن الجيش السوري بلا أيديولوجية قتالية ولا حتى دفاعية: مهمة بوليسية وأمنية لحماية النظام. وهذا ما حصل في لبنان: الجولان مقابل لبنان. وورقة الجنوب لتمديد الصراع ليكون ذلك ذريعة لبقاء الوصاية التي صارت مع إيران وذراعه المسلحة عندنا حزب الله وصايتين من هنا يمكن الكلام على تواطؤ مرعب بين حزب الله والنظام (وخلفهما ولاية الفقيه) في ما يخص الجولان. والسؤال: لماذا لم يجرب حزب الفقيه في الجولان (أو ما يماثله) ما جربه في لبنان من مقاومة ناجحة أدت إلى التحرير. عندنا التحرير وفي الجولان التهويد. عندنا الممانعة وفي الجولان السلام. وفي هذا الإطار لم نسمع حزب الله يرفع شعار "تلازم المسارين المقاومين في الجنوب اللبناني والجولان السوري أو تلاحم "القوى" الشعبية بين جماهيرية حزب الله العظمى وجماهيرية البعث العظمى! وبعض الجواب ان الحزب المذكور كالنظام المذكور قدما سلاحهما بطاقة اعتماد للبقاء في السلطة، في سوريا وفي لبنان بحيث بات سلاح "المقاومة" كسلاح الجيش السوري وسيلة قمع وانقلاب واغتصاب للسلطة في لبنان. ففي سوريا المخابرات والشبيحة وفي لبنان قمصان الحزب السوداء. ولهذا لا نستغرب دور سوريا في الدفاع عن سلاح المقاومة بعدما صفت المقاومتين الفلسطينية والوطنية لقنص قرار الحرب والسلم في الجنوب كورقة ابتزاز ومكاسب، ولا دور حزب الله الاعلامي والعسكري ضد الثورة السورية. ذلك أن تلازم مساري الحزب والبعث واحد ومرتهن بمصدر واحد هو إيران.

هذه المقارنات والوقائع والأدوار نورد بعضها لنؤكد معاني تلاقي الشعبين الشقيقين (بقوة قضيتهما) في ثورتين على نظام واحد بامتداداته "الالهية" و"الحزبية" والمخابراتية. وفي ذكرى اندلاع الثورة السورية الكبرى الأولى لاسقاط النظام وتحقيق جلائه عن كواهل الناس، اصداء وامتدادات عضوية لذكرى ثورة الأرز السابعة، التي حققت جلاء الجيش البعثي عن أرضها على أن يتم استكمال المسيرة بتحقيق جلاء مخلفات ولاية الفقيه والوصاية الشقيقة عن كواهل اللبنانيين. وهذا بالذات يجعل الانتفاضتين الشعبيتين واحدة في بلدين على تسلط واحد، وعلى قمع واحد، وعلى احتلال واحد.

إنهما ثورتان بثورة، وثورة بثورتين. ويمكن القول إنهما تتداخلان وإلى حد كبير مع مجمل الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا… فكأنهما في النهاية ثورتان بخمس ثورات، أو خمس ثورات بثورة واحدة… أو ليست هذه هي الوحدة العربية الشعبية بامتياز!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل