"البعث" كابوس مشترك في تاريخ سوريا والعراق. وككل كابوس لا يكون رحيله بيقظة مفاجئة، أو بحلم سعيد يلغيه رأساً، أو بالفرار منه إلى الواقع للحؤول دون اشتداده.
ككل كابوس لا بدّ من الذهاب إلى خواتيمه، وتجرّعه حتى آخر احتدام فيه، والإفلات منه فقط حين يجعلنا هذا الكابوس في طريق مسدود، أو في مصيدة لا نجاة منها.
ويعني ذلك، مسارين مختلفين.
في العراق، تمكّن النظام البعثيّ العفلقيّ الصدّامي من قمع الإنتفاضتين الكردية والشيعية بعد حرب الخليج، وفُرض عليه حصار مطبق، ومنطقتا حظر جوّي شمال وجنوب البلاد.
إلا أنّ النظام استمرّ، وكان يمكنه أن يستمرّ إلى الآن، كنظام مظفر في حرب أهلية داخلية مستمرّة وغير متكافئة أبداً. وحده التدخّل الأميركيّ كان يتيح للعراقيين التحرّر من هذا الكابوس. أي كلام آخر لغو ورياء. كان هذا هو الإستفزاز الوجوديّ في الحال العراقيّة: نظام التحرّر الوطنيّ البعثي يستعبد العراقيين، والإحتلال "يحرّرهم" وينقل اليهم "الديموقراطية" دون انتظار موافقة أو عدم موافقة السكّان الأصليين أنفسهم، ثم من دون اعتراضه كاحتلال أن تكون هذه "الديموقراطية" وسيلة لتسليم مفاتيح العراق إلى إيران.. غير الديموقراطية!
الحالة السوريّة مختلفة. باني النظام بشكله الفئوي الشموليّ الذي لا رجعة فيه، أي حافظ الأسد، رحل عن دنيانا، ونجح التوريث البيولوجيّ في حسم الأمور لنجله بشّار في الساعات التالية لوفاته. نظام حافظ الأسد استمرّ احدى عشرة سنة بعد وفاته، إلى حين اندلاع ثورة شعبية عاتية.
مع ثورة 15 آذار 2011 وإلى اليوم، بدا أنّ الحالة السوريّة "تصحّح" الحالة العراقية. في الحالة العراقية، مجتمع يعجز عن إسقاط الطاغوت من داخله، ويطرح على نفسه كيفية التجاوب أو عدم التجاوب مع تدخّل أجنبي طارئ في هذا الإتجاه. أمّا في الحالة السوريّة، فمجتمع يثور بشجاعة استثنائية، وتصميم عميق، على اسقاط النظام. ولأنّ الحالة السوريّة جاءت "تصحّح" الحالة العراقية فقد بدأت الثورة بنغمة رفض التدخّل العسكريّ الخارجيّ، بل أصرّت أيضاً على نهجها السلميّ، وكانت أدبيات الثوّار والمعارضة في الشهور الأولى تشدّد على أنّ "العسكرة" هو ما يتمنّاه النظام للثورة، للإيقاع بها، واقتلاعها، وتصفية طابعها الجماهيريّ.
لكن الأمور تطوّرت شهراً وراء شهر، إلى أن دخلنا في استفزاز وجوديّ جديد: نظام التحرّر الوطنيّ البعثيّ يستعبد الناس في سوريا، ويمارس السياسة نفسها التي مارسها الإستعمار الفرنسيّ في سوريا العشرينيات والثلاثينيات، بين المناطق والطوائف والعشائر، إنّما طبعاً بدمويّة مضاعفة مرّات عدّة. وفي المقابل ثورة وطنية شعبية شاملة، تنخرط فيها معظم الفئات الحية والحيوية في المجتمع السوريّ، لكنّها تصل في لحظة معيّنة، ومن بعد تدرّجها من تبنّي "الجيش السوريّ الحرّ" على قاعدة أنّه يحمي التظاهرات، إلى تبنّيه على قاعدة "الدفاع عن النفس"، إلى تبنّيه على قاعدة المطالبة بتسليحه، إلى المطالبة في خاتمة المطاف بما سمي "جمعة التدخل العسكري المباشر". هذا التدرّج يفترض أن الثورة والسوريين، ومعهم سائر العرب، تعلّموا دروساً.. لننتظر!
هذه سابقة في تاريخ الشعوب المعذّبة والثائرة. الشعب السوريّ يكشف على امتداد عام كامل الطبيعة "الكولونيالية" الرثّة والدموية للنظام السوريّ. هو نظام يستخدم الوسائل الإستعمارية التقليدية لمحاربة الشعب السوريّ، وبالتالي التحرّر الوطني. في حال سوريا يعني التحرّر من هكذا نظام. في الوقت نفسه، المجتمع الدوليّ يستنكر أفعال هذا النظام ولا يتدخّل، في حين أنّ الثورة نفسها، تتدرّج في مطالبها، وصولاً إلى لحظة الذروة، حيث المطالبة بالتدخل العسكريّ المباشر، في حين أن "رئيس العالم" باراك أوباما يعيد ويكرّر أن لا شيء من هذا القبيل في دُرجه.
جدليّة "التحرّر الوطنيّ" لا تقتصر إذاً على الصور الأرشيفية لثوار الجزائر أو فيتنام. في الحالتين العراقية والسوريّة، تجتمع المقولة ونقيضها في آن. البعث إستعمار أهليّ، في سوريا كما في العراق. التحرّر الوطنيّ من هذا الإستعمار يستدعي في المقابل تقبلاً للتدخل العسكري المباشر، في العراق، أو مطالبة بهذا التدخّل، رغم استبعاده من قبل أوباما نفسه، في حال سوريا.
هذا في "الدلالات".
أمّا في السياسة، فالعين على تركيا، والجيش التركيّ، والأيّام المقبلة.