من فضل الله أن يتمتّع الإنسان بالقيم والأخلاق الكريمة، ومن فضل الإنسان على نفسه أن يُحسن استخدامها خيراً واحتراماً. صفتان يتعلمهما طالب المدرسة في الصفوف الإبتدائية ليحملهما معه الى أي مركز يبلغه، فكيف إذا مثّل الشعب اللبناني في يوم ما في مجلس النواب؟! وبالتالي أين لسان نائب البرلمان حسن فضل الله من المثل القائل "لسانك حصانك…"؟، وما هو أرقى من الشهادة ليقف لها اللبناني دقيقة صمت، لا بل ساعات من الصمت قد تكون أبلغ من الكلام إذا كانت الكلمات ستصدر من أبواق النظام السوري و"حزب السلاح" الخارج عن القانون.
بديهي أن لا تقدّر هذه الأبواق شهادة الشعب السوري، في الذكرى السنوية الأولى لانطلاق ثورته.. فهي لم تقدّر يوما شهداء "ثورة الأرز" وتعمل ما بوسعها لإلغاء ثورة الاستقلال الثاني من التاريخ الحديث. أبواق مذياع "حزب السلاح" تقوّم الشهادة في سوريا كما تراها من لبنان، وأفراد الحزب يشبّحون بسلاحهم فوق جثث الشهداء.. نواب قوى 14 آذار لبّوا طلب الشهيد الحي النائب مروان حمادة، فيما رفض الطلب نفسه "نواب السلاح"، والعبارة أتت جارحة لمن كاد "سلاح" من العيار الثقيل أن يخطف حياته: "قفوا على رِجل واحدة". جملة "فعل" الأمر الواقع هذه موجهة الى جمع من النواب ضحوا بأكثرية منهم في سبيل استقلال لبنان وديموقراطيته. وفعل الأمر هذا المستخدم هنا لاحترام الشهادة غير مذكور في قاموس التشبيح سوى عند استخدامه للوقوف احتراما وتقديرا للنظام السوري المجرم، فيصدق فيهم شطر الشعر من دون أن تصيب معانيه الراقية التي لا تأسر سوى براءة الأطفال: "قم للمعلّم وفّه التبجيلا"..
أما "الرِّجل الواحدة" فقد استخلصها المذياع من الرَّجُل الواحد والوحش الذي يقتل شعبه ولا يأسف على أرواح الأطفال التي تُخطف بأوامر منه وأجساد النساء التي تُغتصب.. فأعضاء حكومة السلاح تفوح منها روائح المازوت، واليوم تتطاير روائح لحومهم الفاسدة من المجلس النيابي مع هواء الربيع العربي، يتأكّل لحمها من بعضه.. أما نواب السلاح فقد اعتادوا أن يتعكزوا على سلاح غير شرعي، وقد أتى ربيع شهداء سوريا ليجرّدهم من عكّازهم فيبدون كمن يعرج على الشهادة والأرواح البريئة. هم مرتبكون، خائفون من أن تبتر أرجلهم، يشدون عصبها قبل أن تُقطع أوتار أبواقهم الصوتية.. هم يريدون استمرار حكم سوريا الديكتاتورية بنظامها المستبد على حساب جثث الشهداء رافضين دولة ديموقراطية تحترم حقوق الإنسان من أجل الشهداء.
يشبّح "نواب السلاح" في الحكومة كما في المجلس النيابي. ينتظرون أن يحلّ ربيع سوريا، وإن لم يعترفوا، فغضبهم حملهم على ضرب عُرض الحائط بكرامة زملائهم النواب وعلى إطاحة حرمة الشهادة.. يلعبون في الوقت الضائع ليبعدوا فقط خريف سلاحهم أو بالأحرى ليؤجّلوه. نائب السلاح لا يستحي ولا يخجل من أن ينأى بنفسه عن الشهادة التي من المفترض أن حزبه قدم الكثير من شهدائه، فكيف يمكن أن تكون الشهادة لذيذة في الدفاع عن لبنان وشعبه ضد إسرائيل وتكون في الوقت عينه وحشية القتل مباحة وشرعية ومحللة لوحش النظام السوري؟
سوريا الـ 10 آلاف شهيد تستحق الوقوف دقيقة صمت كما يستحق لبنان الـ 150 ألف شهيد الوقوف دقيقة صمت على أرواح شهدائه وأشرف الشرف أن ينحني اللبنانيون احتراما لشهادة الشعب السوري الصديق.. هذا ما أراد أن يعبر عنه حمادة ونواب قوى 14 آذار في المجلس النيابي بعد ذكرى 14 آذار التي كللتها الشهادة بالإستقلال. فالإستقلال يا "حزب السلاح" لا يأتي إلا بعد الشهادة، والديموقراطية لا تعمّ إلا بعد كفّ أدوات التسلّح، والسيادة لا يفرضها إلا الشعب الحرّ.. شهادة شعب سوريا أدهشت العالم، وأجهشت عيون أمهات ورجال وأطفال بالبكاء، وأسدلت ستار القمع، وأثلجت صدور المظلومين.. شهادة حقّ تقال: مطلوب الوقوف دقيقة صمت على الضمائر التي ماتت واندثرت في غياهب التاريخ المقاوم الذي تشظت صفحاته وسالت عليها دماء الحسرة ولوّثتها عبارات التشهير بالشهيد..