بعد المحطات البارزة ولا سيما محطة 14 آذار التي تميَّزت هذه السنة بإعطاء نفحة لروح الشباب، وقد تسببت هذه الخطوة الجريئة في كشف غيظ الحاقدين على هذه القوى، لا بد من وقفة تأمل لدرس مضمون هذه الحملات:
ما من خطوة تُقدِم عليها قوى 14 آذار إلا وتلقى الإنتقاد من خصومها؟
إذا نزلت في تظاهرة مليونية قيل إنها تحتاج في كل مرة إلى مثل هذا الحشد لاختبار شعبيتها.
إذا اقتصر الأمر على احتفال في قاعة مقفلة قيل إنها سلكت هذا الخيار لأنها غير قادرة على الحشد، إذا تكلَّم أركان 14 آذار قيل إنهم يحتكرون الكلمات، وإذا أُعطي المنبر لوجوه شبابية قيل إن القادة لم يعد لديهم ما يقولونه فتركوا التكلُّم لوجوه شبابية لا يُلزِم مضمون ما يقولونه أحداً.
هكذا لا يُعجبهم العجب، فماذا يريد أركان قوى الثامن من آذار؟
في الحسابات السياسية الضيقة يريدون لقوى 14 آذار أن تضعف، لكن في الحسابات الإستراتيجية الوطنية فإن ضعف فريق لبناني لا يعني أن الفريق الخصم سيقوى حكماً، الحسابات الحقيقية هي أن يكون هناك توازن لأنه في هذا التوازن تستقيم الحياة السياسية وتنتظم.
فحين تشكَّلت هذه الحكومة، هلّل كثيرون ممن تشكَّلت منهم، أنها ستستطيع الحكم بسهولة لأن لا خصوم داخلها ولا ثلثاً معطِّلاً ولا مَن يُعطِّلون، لكن تبيَّن أن هذه القوى حين لا تجد مَن تُخاصمه داخل الحكومة فإنها تعمد إلى مخاصمة نفسها، وهذا ما بيَّنته أكثر من واقعة وأكثر من حادثة في أكثر من جلسة وحتى خارج الجلسات:
ففي ملف الأجور، كيف بدت الحكومة انها منسجمة؟
وفي ملف بواخر توليد الطاقة الكهربائية، أين التفاهم بين أركانها حول هذا الموضوع؟
وفي ملف اللحوم الفاسدة أين هي الإجراءات في ظل التباين الحاصل بين الوزارات المعنية ولا سيما منها وزارات الإقتصاد والزراعة والصحة؟
تعمل الحكومة من دون معارِض أو معترض داخلها، فلماذا لم تكن منتجة حتى الآن؟
بكل بساطة لأنها تشعر بأن نصف الوطن لا ينسجم مع طروحاتها، فما نفع إجماع اللون الواحد إذا كانت القوى السياسية الأخرى التي تُشكِّل المعارضة، لا تتفق مع الحكومة في طروحاتها؟
هذا هو المقصود في التوازن، أي وجوب أن تتكوَّن السلطة من الأطراف القوية في البلد لا أن يسيطر فريقٌ واحد ليحكم أو يتحكم بالآخرين.
ما مرّ من عمر الحكومة حتى الآن، وهو يناهز السنة ونيِّف، يجب أن يُشكِّل عبرةً لأركانها من أن ما من شيء يمكن أن يُنجَز في هذا البلد بفريقٍ واحد، فهل يتعظ المعنيون؟