#dfp #adsense

المارونيون الثلاثة: جنبلاط وجعجع وعون

حجم الخط

منذ استقلال 1943، على الاقل، تجاذب المسيحيين أصنافٌ ثلاثة من القيادات المارونية.

الصنف الجنبلاطي، هو الاقدم. المقصود بـ جنبلاط اختصار عموم العائلات او "البيوتات" المارونية. وشاءت الاقدار ان هذا "البيت الدرزي"، المناقض سياسيا لتلك "البيوتات"، اختصر الكثير من سلوكيات العائلات المارونية التي تحكمت بالموارنة والمسيحيين، والمسلمين احيانا. فـ كميل شمعون كسب، في مراحل معينة، مسلمين الى جانبه، مثلما كسب كمال جنبلاط مسلمين ومسيحيين. والاثنان ضاق بهما بعض اللبنانيين وبعض العرب.

كتائب الدروز

واذا مثّل "حزب الكتائب" في وجدان المسيحيين "الحصن الحصين" عند الشدائد، فمن السهولة اعتبار الحزب الجنبلاطي "حزب كتائب" الدروز. والبيتان، الجميل وجنبلاط، سجّلا اكبر عدد من المغتالين سياسيا من أجداد وآباء وابناء واحفاد. يضاف الى ذلك ان "حزب الكتائب" الذي لاقى هوى الطبقة الوسطى، وما دونها، كسبيل لكسر القيد الإقطاعي، قابلته "اشتراكية" جنبلاطية من المفترض انها نقيض الطبقية والعائلية. أمّا بيت إده فما يجمعه مع بيت جنبلاط ليس التحالفات السياسية فقط. ففي البُعد النفسي، نَقمَ ريمون إده على "حلفائه" الموارنة، وهذه النقمة لم تكن تنقص كمال جنبلاط وابنه وليد. ويبدو ان والدة كمال، ووالد ريمون، ظلّ طيفهما ثقيلا على الوريثين. وما استحضار وليد جنبلاط التاريخ في مفاصل مهمة، إلا محاولات يائسة لاستعادة بعض مراحله او لتغييره. هذه المحاولات توازي نسيان فؤاد شهاب، ابن "بيت شهاب"، ان كتاب التاريخ أقوى من "كتاب" الدستور، الذي تسلّح به فمات حسرة، وهو يراقب موت الدولة.

عون أوديب المسيحيين

وبما ان ثمّة جدالاً هذه الايام في شأن "كتاب التاريخ"، من المفيد ان نتذكر ان "ميثاق السمقانية" الذي أقامه اعيان الدروز لينصبوا بيت شهاب في الحكم، نَصّ ايضا على تقييد حرية الشهابي السُني في التجنيد وفرض الضرائب وبعض الصلاحيات. من قال إنّ اتفاق الطائف يعود فقط الى تسعينيات القرن الماضي؟ ولا شك ان ثمة إشارة وصلت الى قبر فؤاد شهاب، لحظة لم يجد الشهابي الاخير، الياس سركيس، الّا ان يمهد الرئاسة لبشير آخر… وأخير.

إشارة مؤلمة وصلت ايضا الى قبر فؤاد شهاب. ففي القصر الجمهوري، وفي حسابات ليلية لوَريث "بيت الجميل"، تنسم السلطة والنظام ميشال عون ابن مؤسسة النظام. كل السلطة بيد ابن السلطة. "أوديب ملكاً". مأساة يونانية لمؤلفين: سوفكليس، وأمين ابن بيار ابن امين الجميل!

لم يعرف لبنان انقساما في مؤسسات الدولة، كالذي حصل عندما اصبح قائد الجيش الواحد والموحد الحاكم بأمره. حرب داخلية قضَت على المنعة المسيحية، وحرب خارجية أفضَت اتفاق الطائف، أو "سمقانية" جعلت السنة والشيعة في المقدمة ليتراجع الموارنة، وليراوح الدروز مكانهم!

جعجع وشهاب

من كتب التاريخ المشهورة ايضا "كتاب اخبار الاعيان في جبل لبنان"، "للشيخ" طنوس الشدياق. تاريخ الموارنة "اخبار اعيان" عند الشيخ الشدياق انتفاضة العامة في عامية 1840، "بدعة"، قام بها "جَهلة". ماذا يحاول ان يفعل سمير جعجع؟ حتى في كتب الموارنة الخروج على التقليد، جريمة، وخروج عن المنطق. حتى الخير والشر غير عادلين مع ابن عامّة الشعب، مقارنة مع ابناء "البيوتات". بمنطق الحرب، قُتل في امارة الجنبلاطيين مئات المسيحيين وهُجّروا. في كثير ممّا كتب، ما حصل "حادثة". والاهم ان وليد جنبلاط لن يوصم بهذه الحادثة إلّا لماما، وفي النفوس اكثر من النصوص! أما ان يشارك سمير جعجع في مهمة في اهدن، طلبه اليها "ابن الجميّل"، فتلك ليست مسألة فيها نظر، بل جريمة لا تغتفر. ويجب ألّا تُقارن بقتل مسيحيين في كنيسة مزيارة. لربما في مكان ما، كان ألم أهل الضحايا في اهدن، أقلّ وطأة لو كان "ابن بيت" من فعلها. ميشال عون الذي وصلته السلطة من حيث لا يدري، وجد منفاه الباريسي أشدّ مضاضة من سجن وزارة الدفاع. لو كان ابن بيك، اعتقلَ أحد عشر عاما، لنجح حيث فشل جعجع، في اكتساب صورة مانديلا.

اللقب الاميري والمنصة العسكرية والمنصب الرئاسي، لم يساعدوا فواد شهاب في شيء. حاول في "النهج" ما يحاوله سمير جعجع، في "الفكر السياسي". فؤاد شهاب جمع مثقفين وأبناء عائلات ومسلمين… وفشل. ماذا يحاول ان يفعل سمير جعجع؟ شهاب وجعجع من الخوارج. واحد خرج على إمارته، وواحد خرج على كل أمراء طائفته. هذه المرة عبرة التاريخ هي: مهما كانت مغريات الانتصارات الآنية، عندما تخرج من دائرة التقليد، لا تعود وتنخرط في النظام التقليدي، ابحث عن دائرة جديدة. في هذا اللبنان، وراء كل منتصر، مهزوم ينتظر. لماذا لا نبحث عن لبنان آخر؟
 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل