«في الوقت الذي تمر فيه المنطقة العربية في واحدة من أخطر مراحلها، مع يقظة الشعوب على ذواتها وانتفاضها على الديكتاتوريات والديكتاتوريين الذين حكموها لأكثر من نصف قرن… يرتدي «تداول السلطة» في بكركي أهمية خاصة… ومعلوم أن المأخذ الاهم على البطريرك، من الموارنة والمسيحيين… كان انحيازه الى فريق وخياراته السلبية.. فضلاً عن.. «تسامحه» مع الفساد وإرهاق البلاد بالديون، ما سبب هجرة عشرات الألوف من العائلات المسيحية… وحبذا، لو تخصص الخلوة اليوم للمصارحة والمكاشفة بين البطريرك والمطارنة حول الأسباب التي جعلت بكركي في قطيعة مع فريق كبير من أبنائها… وتحول البطريرك الى رئيس لـ«حزب الله الماروني»،… ومن يحاسب البطريرك إذا أخطأ زمنياً؟… إن المطلوب اليوم… بطريرك.. «رئيس لكنيسة، وليس رئيساً لفئة ضد اخرى».
لا تستغربوا، فهذا ليس كلاماً لسمير جعجع، لأن تمايز مواقف جعجع حول بعض النقاط السياسية – الإنسانية مع مواقف البطريرك الراعي، لن يبلغ بأي حالٍ من الأحوال حدّ اتهام البطريركية بـ«الفساد، وإرهاق البلاد بالديون، وتزعّم حزب الله المسيحي». ولأنه مهما بلغ هذا التمايز، فلن يصل أبدا حدّ الدعوة إلى «محاسبةٍ زمنية للبطريرك»…
مناسبة هذا الكلام، صدور مقالة للصحافي ادمون صعب في «السفير» يوم الخميس 15 آذار 2012، بعنوان «الراعي في مواجهة الشياطين»، تضمّنت كلاماً مناقضاً تماماً لما سبق أن كتبه الصحافي نفسه، بعنوان «البطريرك المُرتجى» في مقالةٍ له، نشرتها «السفير»، يوم الخميس 10 آذار 2011!
وبعد، نسأل أين كان ادمون صعب طيلة العقود الماضية، عندما كانت البطريركية تتعرّض لأبشع الحملات السياسية والدعائية والميدانية، بدءاً باقتحامات الرعّاع للصرح البطريركي في العام 1989، وصولاً إلى الاتهامات بالفساد، والتفرقة، وترؤّس «الأحزاب المتطرّفة» التي ساقها الصحافي نفسه، بحق بكركي، حتى الأمس القريب!
لا تستغربوا، فأن تكون البطريركية المارونية متصالحة مع تاريخها السيادي، والإنساني، والأخلاقي، فذلك بالنسبة لادمون صعب، هو «الفساد، والانحياز، والانعزال، والقطيعة مع فريقٍ من الشيعة»!.. ولكن ان تكون البطريركية، كما يريدها صعب أن تكون، متصادمة مع تاريخها السيادي، ومنقلبة على مبادئها الأخلاقية والإنسانية، ومختلفة مع 137 دولة عربية وغربية، و200 منظمة دولية لحقوق الإنسان، ورأي عام دولي جارف، ومليار مسلم سنّي حول العالم، وطائفة سنّية بأكملها في لبنان، فذلك هو «الاعتدال» بحدّ عينه، وذلك هو «الانفتاح على العالمين العربي والغربي»، وذلك هو «المحافظة على سلامة المسيحيين وتأميناً لمصالحهم»، وذلك هو «السبيل الوحيد لقيامة الدولة»… وذلك هو… «البطريرك المُرتجى»!
لا تستغربوا، فأن يحاول شخصٌ كسمير جعجع، تحمّل في سبيل كرامة المسيحيين وحريّته ما لم يتحمّله إنسان، تصويب بوصلة بعض المواقف اللاانسانية الباطلة، انسجاماً مع ثوابت المسيحيين اولاً، وخدمةً للمصالح الحيوية لبكركي والمسيحيين ثانياً، فذلك هو الإثم العظيم. ولكن أن تُقتحم بكركي، ويُشتم البطريرك «فوق رؤوس الأشهاد» لعدم تقاطع ثوابت بكركي التاريخية مع مصالح بعض الوصوليين، فذلك إثم عظيم ايضاً، ولكنه إثمٌ تتحمّله البطريركية نفسها، وليس زمرة الوصوليين والمرتكبين!
لا تستغربوا، فأن تتمايز مواقف سمير جعجع عن مواقف للبطريرك، حول قضايا حقّ وكرامةٍ وحريّة، فذلك بالنسبة لادمون صعب، هو الباطل بحدّ عينه. ولكن أن تلتقي مصالح البعض مع مواقف آنية للبطريرك، حول قضايا باطل، وقمع، وديكتاتورية، فذلك بالنسبة لادمون صعب، هو الحقّ بذاته!