خلافاً للكثير من الانطباعات التي يشيعها بعض المسؤولين اللبنانيين عن اقتراب معالجة ملفات خلافية مطروحة على جدول الاولويات في الاسبوع الطالع وما يليه، تستبعد مصادر واسعة الاطلاع التوصل الى حلول سريعة لهذه الملفات بما يعني ان ثمة حسابات وتعقيدات سياسية لم يجرِ تذليلها بالكامل وربما تثير مزيداً من الخلافات داخل الحكومة.
واوضحت هذه المصادر لصحيفة "الراي" الكويتية ان ثمة ثلاثة ملفات اساسية ستتمحور حولها الحركة الحكومية والنيابية هذا الاسبوع، وهي الكهرباء وتسوية الانفاق الحكومي للحكومات من عام 2006 حتى عام 2010 وملف بدل النقل للاجور، في حين يبقى موضوع التعيينات عرضة للتجاذبات خلف الكواليس.
ويزمع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بت ملفي الكهرباء والتسوية المالية قبل موعد جلسة مجلس الوزراء بعد غد عبر اجتماعات وزارية تعقد اليوم في السرايا الحكومية وتتناول موضوع بت استئجار البواخر لانتاج الكهرباء واستكمال مشروع القانون العائد الى الانفاق الحكومي.
واشارت المصادر الى ان المعطيات المتوافرة حيال هذين الملفين تشير الى استمرار الخلافات بين الاطراف المعنيين، اذ لم يجر التوصل بعد الى توافق كامل بين ميقاتي و"تكتل التغيير والاصلاح" الذي يترأسه العماد ميشال عون حول الصيغة التي ستعتمد في تسوية الانفاق الحكومي. فالرئيس ميقاتي يبدو متجهاً الى صيغة متكاملة يقفل عبرها موضوع الانفاق بحيث تتضمن مسألة قطع الحسابات عن الاعوام السابقة (التي تولى خلالها الرئيسان فؤاد السنيورة وسعد الحريري رئاسة ثلاث حكومات) وفي الوقت نفسه اعتماد مبدأ التلازم بين إنفاق الحكومات التي سبقته وحكومته بما يضع حداً نهائياً لهذه المشكلة. لكن فريق عون يضغط نحو وضع صيغة محصورة بقطع الحسابات عن إنفاق الحكومات التي تولتها قوى 14 آذار حصراً بما يعني التسبب بمشكلة جديدة مع المعارضة.
اما في موضوع استئجار البواخر، فان عروضاً جديدة يبدو انها دخلت على الخط بما يمكن ميقاتي من إحداث تعديل في خطة كانت وضعتها وزارة الطاقة ومن المنتظر ان يتقرر مصير هذا الملف في اجتماع للجنة الوزارية المكلفة ملف الكهرباء اليوم.
في موازاة ذلك، وفي موضوع جلسة البرلمان الاربعاء، فان اجتماعا لهيئة مكتب مجلس النواب سيعقد اليوم برئاسة الرئيس نبيه بري وسيتقرر عبره مسار الجلسة النيابية التي ستستأنف مناقشة جدول الاعمال من حيث انتهت الجلسة الاخيرة التي أفقدها نواب المعارضة النصاب، على ان يجري التوافق على صيغة بدل النقل في ضوء مشروعين مطروحين للنائبين ابراهيم كنعان (من فريق عون) ونبيل دو فريج (من كتلة الرئيس سعد الحريري).
وتقول المصادر ان امكانات تجدد الخلاف حول هذا الملف تبدو اكبر من امكانات التوافق حتى الان، خصوصاً ان نواب المعارضة يدفعون في اتجاه اقناع بري بعقد جلسة استجوابات او مناقشة عامة للحكومة يتمكنون عبرها من طرح الثقة ببعض الوزراء. وهو امر يحرج بري الى حد كبير باعتبار انه لا يريد حشر رئيس الحكومة في الزاوية.
وفي اي حال تشير المصادر نفسها الى ان ملامح توترات سياسية لا تتصل بهذه الملفات حصراً تلعب دوراً في عرقلة التفاهمات التي يمكن ان تفتح الطريق الى بت الكثير من الخلافات. وهذه التوترات ترتبط بالمناخ الذي خلفته محطات سياسية وأمنية حصلت الاسبوع الماضي، وينتظر ان تشهد الايام المقبلة ترجمة لها على اكثر من مستوى داخل الحكومة والمجلس وخارجهما.
فعلى المستوى الحكومي تتصاعد التوترات الضمنية بين كتلة النائب وليد جنبلاط وقوى 8 آذار والتكتل العوني في ضوء المواقف المتصاعدة لجنبلاط من النظام السوري. وعلى الصعيد الامني اتخذ موضوع التعرض لأحد الاطباء الصيداويين (الدكتور زياد حنقير) بحجة امتلاكه أسلحة كان ينقلها الى منزله الجديد (والتحقيق معه حول تهريبها الى عرسال ومنها الى سورية) تبيّن انها تعود الى قطع اثرية قديمة منحى تصعيديا بعد زيارة الرئيس فؤاد السنيورة لهذا الطبيب واعلانه موقفا حاداً من القوى العسكرية (مخابرات الجيش) التي أوقفته مطالبا رئيسيْ الجمهورية والحكومة بفتح تحقيق في الامر ومعاقبة المسؤولين عنه، ومعتبراً ما حصل مع حنقير (اعلن انه سيتخلى عن جنسيته اللبنانية والاكتفاء بالبريطانية) أنّه «لم يحصل في غوانتانامو، إذ خلعوا ثيابه وأهانوه وشتموه (وطلبوا منه اتخاذ وضع القرفصاء مرتين) وهذا أمر غير مقبول أبداً». واذ اكد أنّ «أحدث قطعة في هذه الأسلحة التي يقتنيها حنقير عمرها يتجاوز سبعين سنة وكلها قطع مجنزرة وصدئة»، قال: «من حق أي جهاز أن يصادر الأسلحة إذا كانت خارج القانون، ومن حقه أنّ يأخذه إلى المحكمة، وفقاً للقانون، لكن أن يحصل الأمر على هذا النحو فهذا غير مسموح به أبداً».
وتبعاً لهذه المناخات، تقول المصادر انه رغم اتسام الوضع العام باستقرار نسبي يستبعد ان يعكره اي تطور سلبي في الظروف الراهنة، فان ذلك لا يعني خلو المشهد اللبناني من تداعيات وانعكاسات للمواقف السياسية المتصاعدة من الأزمة السورية، وهو ما ينعكس في المقابل على الواقع الحكومي الذي يتجه اكثر فاكثر نحو مرحلة تصريف أعمال اكثر منها مرحلة بت ملفات باتت محاصَرة بالحسابات السياسية وتعقيداتها.