فيما التحذيرات تضاعف القلق على الأمن
التداعيات تدهم الواقعين السياسي والحكومي
في الاحاطة التي قدمها المبعوث المشترك للامم المتحدة والجامعة العربية الى سوريا كوفي انان الى مجلس الامن يوم الجمعة المنصرم عن نتائج المبادرة التي قام بها حتى الان لدى النظام في سوريا، كما لدى المعارضة، حرص على حض الدول الاعضاء على دعم مبادرته بموقف موحد، معربا "عن القلق لان الازمة يمكن ان تكون لها تداعيات في المنطقة برمتها في ما يتجاوز سوريا اذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح". وهذا الكلام ليس جديدا على مسامع اللبنانيين وخصوصا انه سبق لعواصم الدول الكبرى ان كررت مثل هذا الكلام مرارا منذ بدء الثورة السورية قبل سنة. الا ان ما اعاد هذا التكرار بقوة الى الواجهة يرتكز، كما تقول مصادر معنية، الى ما حصل في طرابلس قبل بعض الوقت من انفجار احداث امنية بين السنة والعلويين الداعمين للنظام السوري. ولم يشفع في اعتبار ما يحصل في هذه المنطقة تكرارا امرا طبيعيا تبعا للحساسيات الكثيرة على مر بعض الاعوام في الماضي، بل عد بقوة في خانة الرسائل التي تفيد باحتمال امتداد الازمة السورية الى لبنان، وكثر يعتبرون ذلك مقصودا لغاية لدى النظام بمنع اتخاذ بعض الخطوات ضده دوليا وعربيا. ولذلك لم يتراجع هذا الخوف او بالاحرى هذا القلق عما كان عليه قبل اشهر بل على العكس ونموذج طرابلس ماثل للعيان. ويبدو واضحا ان المخاوف يتصل بالخشية على الوضع الامني وليس السياسي، علما ان هذه الخشية السياسية قد بدأت تذر بقرنها بقوة من دون قدرة على وضع حد لها. والوضع الامني يتصل، كما تقول المصادر المعنية، بالصراعات الطائفية كما حصل في طرابلس او بورقة المجموعات الفلسطينية التي وان ضعفت كثيرا، تبعا للتغيير الجوهري الذي طرأ على موقف الحركات التي كانت تقيم في دمشق وفي مقدمها حركة "حماس"، فإن هناك مخاوف تبقى من مجموعات لها ارتباطات محددة ومصالح مع النظام ومع ايران، اضافة الى القلق الذي لا يسقطه أحد من الاعتبار وهو موضوع رد فعل "حزب الله" على كل ما يجري خشية على مستقبله ووضعه والاحتمال الدائم بالحرب الممكنة مع اسرائيل لاسباب واعتبارات تتصل بمحاولة تغيير المشهد السياسي في المنطقة على رغم الاستبعاد المبدئي لهذا الاحتمال.
وتقول المصادر المعنية إن هناك انعكاسات سياسية واضحة على الوضع اللبناني نتيجة استمرار الازمة السورية لا يمكن إغفالها. ولعلّ أبرزها الظاهر للعيان يتمثل بقوة في الانشقاقات التي تشهدها الحكومة على رغم محاولتها كحكومة ان ترفع سياسة "النأي بالنفس" من أجل أن تدرأ عن نفسها مخاطر اتخاذها اي جانب علني. فهناك افرقاء من قوى 8 آذار لم يرتاحوا لوجود وزير الاقتصاد نقولا نحاس في المختاره لدى وضع النائب وليد جنبلاط علم الثورة السورية على ضريح الزعيم كمال جنبلاط باعتباره ممثلا لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فيما السياسة الرسمية للحكومة هي النأي بالنفس. وسبق للحكومة ان واجهت وضعا حرجا مع التصريحات والمواقف التي اطلقها مرارا وتكرارا وزير الخارجية عدنان منصور، والتي تظهر انه يقود سياسة مؤيدة للنظام السوري اكثر مما هي التزام لسياسة النأي بالنفس. فيما تزعج المواقف المعلنة للنائب جنبلاط ووزرائه ونوابه عن الشأن السوري أفرقاء 8 آذار من دون قدرة على رفع سقف الخلاف مع زعيم الحزب الاشتراكي خوفا من تطيير الحكومة وفقدان قوى 8 آذار السلطة. هذا الهامش الذي يلعب من خلاله النائب جنبلاط دورا كبيرا أعاد خلط الاوراق الداخلية، فيما الحكومة تعاني خللا وظيفيا تبعا لما لحق بها نتيجة تدهور الوضع السوري. ومعلوم ان اختلاط الاوراق الداخلية لا يتصل فقط بالصراع في سوريا والثورة على النظام وانقسام الافرقاء اللبنانيين تبعا لموقفهم مما يجري، مع او ضد، بل هو ايضا بحكم اختلاط الاوراق الاقليمية وخصوصا تلك التي على صلة بالوضع اللبناني وصراع النفوذ فيه، بحيث قد يكون مجحفا القول إن لبنان يعيش تداعيات الثورة السورية فحسب، بل هو يعيش في الوقت نفسه تداعيات هذه الثورة في المنطقة على اللاعبين الاقليميين وتغيّر مواقعهم ايضا. وقد يكون تبسيطيا قياس ما يمكن ان يحصل فقط في لبنان بناء على نجاح النظام السوري في البقاء ام لا لان التغيير حصل في الواقع وفي الموقع الاستراتيجي لسوريا في المنطقة سواء بقي الأسد أو لم يبق.
ولفت المصادر المعنية التطوّر الذي طرأ على موقف الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله نسبيا من الوضع السوري واصراره في الوقت نفسه، وخلال كل المواقف التي اطلقها على اثر اندلاع الثورة السورية، على تثبيت موقع سلاح الحزب في المعادلة الداخلية والاقليمية في ما تعتبره هذه المصادر ردا مسبقا على الرهانات التي تفيد باضعاف هذه الورقة في يد الحزب نتيجة الثورة السورية واحتمال انهيار نظام الرئيس بشار الاسد، علما ان التغيير في المواقف تأخر عن الظهور نسبيا قياسا بالتغيير الذي طرأ على اداء الحكومة وافرقاء 8 آذار فيها الى الحد الذي عطل كليا ما رغبت فيه هذه القوى من سيطرة على الحكومة من دون اي مشاركة فيها من قوى 14 آذار.