لقد غاب عنا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية للأقباط الأرثوذكس.
إن هذا الشيخ الجليل، منذ أن أصبح، في 14 تشرين الثاني 1971 بابا وبطريرك الكرازة المرقسية المائة والسابع عشر، راح يوماً بعد يوم يجسد تطلعات المسيحيين العرب، بفضل مواقفه وسياسته وحكمته، حتى أصبح فعلاً "بابا العرب".
لقد جمع البابا شنودة الثالث في شخصه وحدة مؤتلفة ومتناغمة من شخصيات عدة.
تحت اسم "انطونيوس السرياني" وقبل أن يصبح قسيساً ثم أسقفاً ثم بطريركاً، عكف على عيش الحياة الرهبانية، وقضى، في عزلة تامة، مدة ستة أعوام، في مغارة، يصلّي ويقرأ ويتأمل ممارساً التقشف والزهد. وكما هو سليل بطاركة الإسكندرية العظام الذين خلفوا القديس مرقس، رسول السيد المسيح ومؤسس كنيسة الإسكندرية، هو أيضاً ابن التراث الرهباني التوحدي والتأملي الذي كان لكنيسته القبطية الفضل في إنشائه منذ فجر المسيحية.
ومن هذا التراث اتخذ الغرب، فيما بعد، ما سمي "الحياة الرهبانية". وهو أيضاً شاعر رقيق المشاعر، وخطيب مفوّه، وواعظ آسر، ولاهوتي، ومفكّر. وله من المؤلفات التي كتبها نحو ثمانين كتاباً. وهو أحد أركان الحركة المسكونية، والحوار المسيحي ـ الإسلامي. إلاّ أن كل ذلك قد لا يكفي ليجعل منه "بابا العرب". فمن أين أتاه هذا اللقب؟
لربما وجب الإقرار أنه كان من الصعب أن يكون بطريرك قبطي مصري بطريرك العرب. فالكنيسة القبطية، قبل شنودة الثالث، كانت تعيش مفارقة. صحيح أن عدداً من الأقباط العلمانيين قد انخرطوا في الحياة السياسية العامة، وبرز منهم زعماء شاركوا في النضال الوطني أمثال ويصا واصف (كان رئيساً لمجلس النواب) ومرقس حنا(كان نقيب المحامين لأكثر من دورة) ومكرم عبيد(كان السكرتير العام لحزب الوفد)، وغيرهم.. إلاّ أن الكنيسة القبطية كانت بشكل عام، تارة خائفة من محيطها الإسلامي، وطوراً منعزلة بقبطيتها وأحياناً بفرعونيتها، ومترددة في الإنتماء إلى هويتها العربية… إلى أن أتى البابا شنودة الثالث.
وشيئاً فشيئاً راح البطريرك ، من جهة، ينفخ الثقة بالنفس في قلوب أبناء كنيسته، ويطلق نهضة روحية كبيرة، ومن جهة أخرى يقف بوجه التيارات الإنعزالية (لا سيما تلك التي استقرّت في الخارج). إلى ذلك دعا أبناء كنيسته للإنخراط في الحياة العامة، وأخذ يبلور في أذهان الأقباط مفهوماً للعروبة يدخل فيها الإسلام عنصراً أساسياً ولكن من دون أن يختزلها كلياً. من هنا أتى حديثه المتكرر عن المواطنة والتعددية في إطار الحكم الديمقراطي.
فعن عروبة مصر، قال: "إنها جزء رئيسي في تكوين الشعب المصري الذي عرف حضارات عديدة أصيلة ووافدة. اما الثقافة العربية والحضارة الإسلامية فهي عنصر رئيسي وفاعل في ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. لا شك إذن أن جميع المصريين ينتسبون إلى العروبة الكبرى كثقافة وحضارة، وأن اخوتنا المسلمين ينتسبون إليها كعقيدة دينية".
إلاّ أن البطريرك شنودة أصبح حقاً "بابا العرب" حين حمل قضية العرب الأولى في العصر الحديث، ألا وهي قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إلى جميع مسيحيي العالم العربي، وإلى المحافل المسيحية الدولية. فموقفه من اليهود كـ "شعب مختار" معروف، وهو الذي قال: "إنتهت فكرة شعب الله المختار (…) فهل من المعقول أن يترك الله الملايين الذين يعبدونه ويتخصص في ثلاثة ملايين احتلوا أرض فلسطين؟ ". وهو الذي قال أيضاً "اليهود يسمونها أرض الميعاد ويقولون إنهم عاشوا فيها بوعد من الله، وأنا أقول لهم: هم جاءوا إليها ليس بوعد من الله إنما بوعد بلفور"…
والبابا شنودة سجّل رفضه لإتفاقية السلام مع اسرائيل، وأكّد ذلك بأن قرّر عدم الذهاب مع الرئيس السادات في زيارته إلى اسرائيل عام 1977. هذا ما حمل السادات على توقيف البابا شنودة في الإقامة الجبرية في دير في وادي النطرون. إلى أن أفرج عنه الرئيس مبارك.
وفي قلب القضية العربية هناك قضية القدس. ومعروف حرمه لأبنائه الأقباط الذين يزورون القدس قبل أن تحرر. ولقد قال بهذا الشأن: "لن يكون الأقباط خارج صف اخوتهم العرب. وسيدخل الأقباط القدس مع اخوتهم بعد تحريرها".
قال عنه نجيب محفوظ: "لقد كان البابا شنودة دائماً رجلاً صلباً متفائلاً شديد الذكاء، مصرياً عميق الأصل، عربي الوجدان والتوجهات، إنساني النزعة، عالمي الأفق".
أما محمد حسنين هيكل فقد كتب عنه: "الحقيقة أن البابا شنودة كان أكثر الناس ملاءمة لمكانه وزمانه ولعل دوره ـ على نحو ما ـ استعاد دور "مكرم عبيد" على الرغم من اختلاف خلفيته وشخصيته وموقعه. كان "مكرم عبيد" قد وصل إلى روح الحضارة العربية (للعرب المسلمين والمسيحيين) عن طريق دراسة الدين وحفظ القرآن. وكان الراهب "شنودة" قد وصل إلى النتيجة نفسها من باب الأدب".
حقاً سنفتقد عظيماً من عظماء هذا الزمن.