#dfp #adsense

“الجمهورية”: “صفقة” في مجلس الأمن ترضي موسكو وبكين وتغضب باريس

حجم الخط

كتب جورج ساسين في صحيفة "الجمهورية": يبدو أنّ اختراقاً على وشك الحصول في الملفّ السوري يقوم به المبعوث الخاص للأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان، يعطي دوراً كبيراً لموسكو في حلّ الأزمة، وذلك بموافقة واشنطن ولندن واعتراض باريس. ومن الأفكار المطروحة تشكيل مجموعة اتّصال تضمّ روسيا والحكومة والمعارضة والدول المجاورة، مختلفة عن «مجموعة أصدقاء الشعب السوري»، أهدافاً وخططاً.

ثمّة مفاوضات بعيدة عن الأضواء بين الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا من أجل التوافق على مسوّدة قرار جديد أو إعلان رئاسي في مجلس الأمن، بعدما ظهر تباين صريح في مواقف الدول الثلاث حول التكتيك الواجب اتّباعه للخروج من "الورطة" مع سوريا.

ومن اللافت أنّ واشنطن ولندن أجرتا نقلة، في منتهى الأهمّية، في اتّجاه الموقفين الروسي والصيني بموافقة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان وإلحاحهما. فيما أعلنت باريس بلسان وزير خارجيتها ألان جوبيه أنّها تعارض كلّياً "مسخ الحلّ" المطروح وحصره بالجانب الإنساني فقط. والسبب هو عدم رغبتها في العودة إلى المربّع الأوّل، وبالتالي الإقرار بـ"انتصار" الرئيس السوري بشّار الأسد بالنقاط على رغم من عزلة نظامه السياسية والديبلوماسية.

فلندن التي ترأس الدورة الحالية لمجلس الأمن الدولي تريد أن تحقّق اختراقاً في المحادثات الجارية في المبنى الزجاجي، ولو اضطرّت إلى التنازل عن عدد من الثوابت التي كانت اتّفقت في شأنها مع باريس. ولقد جاءت قمّة الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون لتثبت هذا الاتّجاه، الذي يأخذ في الاعتبار تعقيدات الوضع السوري وتبعاته الإقليمية من جهة، وتوازن القوى على الأرض المائل جدّاً لمصلحة السلطات الحاكمة من جهة أخرى.

وعليه، فإنّ النقاش جارٍ منذ نحو أسبوع حول مسألتين: مسوّدة قرار تؤيّد مهمّة أنان ولا تشير في وضوح وصراحة إلى خطة جامعة الدول العربية للسلام الصادرة في 22 كانون الثاني المنصرم، مع ما تعنيه من إسقاط مطالبة الرئيس الأسد بالتخلّي عن جزء من مسؤوليّاته لمصلحة نائبه الأوّل، أو إصدار بيان رئاسي يدعو في نقاطه الثلاث الجانبين إلى وقف العنف والقتل وإرسال مجموعة دوليّة لمراقبة الوضع، وتنظيم إيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق التوتّر بالتعاون مع السلطات السوريّة، وفتح حوار بين الحكومة السوريّة والمعارضة بلا شروط مسبقة.

في هذا السياق، ترى مصادر بريطانية واسعة الاطّلاع أنّ لندن تعتمد في ذلك على أربعة مرتكزات أساسيّة:

ـ أوّلاً، أنّه من دون ضغوط موسكو لن يخفّف النظام السوري من استخدام القوّة، ولن يدخل حقّاً في عملية سياسية مع المعارضة. وعليه لا بدّ من انخراط موسكو الفاعل لحقن الدماء والحؤول دون سقوط سوريا في حرب أهليّة طويلة. ولهذا ينبغي خطب ودّ موسكو ومباركتها لإيجاد حلّ سياسي للأزمة.

ـ ثانياً، يتعيّن على أنان الدفع في اتّجاه العملية السياسية حيث سيُعطي دوراً قياديّاً لروسيا في عملية وقف إطلاق النار والانخراط في مفاوضات مباشرة بين الحكومة السوريّة والمعارضة على الرغم من الفظاعات المرتكبة هنا وهناك.

ـ ثالثاً، تشكيل مجموعة اتّصال دولية تضمّ ممثلين عن روسيا والحكومة السورية والمعارضة، فضلاً عن الدول المجاورة لسوريا لتحديد مرجعيّات وقف إطلاق النار. وبالتالي التمهيد لتوافق دوليّ على 3 أهداف استراتيجية هي: وضع حدّ للعنف، وفصل الأزمة السوريّة عن أهدافها الاستراتيجية الأوسع (إضعاف نفوذ إيران عبر اسقاط نظام الأسد)، وتقوية المعارضة السياسية. الأمر الذي يؤدّي في المحصّلة إلى وضع أسس لعملية انتقال سياسية لاحقة مختلفة عن خريطة طريق "مجموعة أصدقاء الشعب السوري".

هذه الاقتراحات هدفها في النهاية تحويل موسكو من "عقبة كأداء" في مجلس الأمن إلى "منفذ لإمرار حلول الحدّ الأدنى". وبدا واضحاً على هامش الاجتماع الوزاري في مجلس الأمن الذي بحث في موضوع "الربيع العربي وتحدّياته وفرصه"، أنّ "ضغوطاً صديقة" مارستها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى جانب نظيرها البريطاني وليم هيغ، على وزير الخارجية الفرنسية ألان جوبيه والبعثة الفرنسية الدائمة في الأمم المتحدة، لإقناعهما بضرورة التوصّل إلى مخرج يرضي موسكو وبكين، إذ لا سبيل غير ذلك لإخراج مجلس الأمن من حال الشلل السائدة نتيجة الانقسام الكبير في مواقف الجانبين.

إلّا أنّ جوبيه "بقّ البحصة" في حديثه إلى صحفية "لوموند" في عددها الأخير، حيث رفض التنازل عن "خطّين أحمرين" كانت باريس قد وضعتهما منذ انطلاق الاحتجاجات.

ويؤكّد جوبيه أمرين:

ـ "أوّلاً، لا يمكنني قبول تقديم الجلّادين والضحايا في المستوى نفسه.

ـ ثانياً، لا يمكن الاكتفاء بتصريح إنسانيّ ووقف إطلاق النار. قطعاً، يجب الإشارة إلى عملية التسوية السياسية القائمة على اقتراح الجامعة العربية".

ويضيف: "أُقرّ بوجود ورطة حقيقية. هل يمكن تجميد قرار لا يكون سوى قرار إنسانيّ بلا أيّ بعد سياسي بالمجازفة في الإبقاء على استمرار المذابح؟ أم يجب قبول هذه التسوية غير المشرّفة كثيراً بالمجازفة في تخليد بقاء النظام؟ إنّه لأمر صعب جدّاً. ولهذا كان هناك ضغط قويّ الاثنين في الأمم المتحدة، لذهاب بان كي مون والبريطانيّين والأميركيّين في هذا الاتّجاه".

وعليه يمكن استنتاج مدى "إحباط باريس وغضبها " من مآل التحرّكات الديبلوماسية في مجلس الأمن، وفي عدد من عواصم القرار الإقليمي التي أقرّت بأنّ نظام الأسد بسط سيطرته الميدانية على بؤر التحرّكات المعارضة في أبرز النقاط الحسّاسة من جهة، ولا يزال يفرض أجندته الداخلية من تعديل للدستور والاستفتاء عليه وإجراء الانتخابات التشريعية من جهة أخرى، على رغم من الحال السياسية والأمنية المضطربة في البلاد. إلّا أنّ اللافت هو اعتراف جوبيه بأنّه قلّل من إمكانات النظام السوري وقدرته على الصمود والمواجهة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل