النتيجة الأولية للثورات العربية كانت تأجيل النظام السوري قرار تشكيل الحكومة الميقاتية بعد تكليف رئيسها، وتحويل مهمة هذه الحكومة من إعادة زمن الوصاية إلى الإمساك بزمام السلطة تحسّباً لمآل هذه الثورات التي قد تستكمل ما عجزت عنه ثورة الأرز.
لم يسبق أن عرف لبنان وضعاً شبيهاً بالوضع الحالي باستثناء، ربما، حقبة ما بعد انهيار الامبراطورية العثمانية مع تحوّل اهتمامات الكيانات العربية الحديثة التأسيس إلى اهتمامات محض داخلية، هذا الوضع الذي عاد وانقلب مع نشوء دولة إسرائيل ودخول لبنان في مرحلة من التجاذب والانقسام السياسيين، وصولا إلى انفجار الصراع ابتداء من العام 1969 والذي توّج في حرب العام 1975.
وقد عانى لبنان طويلا من إصرار فريق من اللبنانيين على ربط مصيره بمصير الأزمات المتنقلة في المنطقة، وتحديدا القضية الفلسطينية، الأمر الذي دفع فريقا آخر إلى المناداة بـ»التحييد»، ولكن هذه الدعوات لم تلق الصدى المطلوب نتيجة عاملين أساسيين: داخلي مَردّه إلى التربة الخصبة، وخارجي عائد إلى التطلعات السورية الهادفة إلى تفجير التناقضات اللبنانية من أجل الإفساح في المجال أمام دخول جيشها إلى لبنان تحقيقاً لمشروعها الرامي إلى إلحاقه وضمّه إليها.
ومن الثابت أن التحييد يتطلب بدوره تحقّق عنصر من عنصرين، أو الاثنين معا: إرادة الجماعات والقوى اللبنانية المؤثرة، واتفاق القوى الإقليمية والدولية على عدم التدخل في الشؤون اللبنانية. إلّا أن رغبة قوى 8 آذار في إقحام سوريا وإيران في الوضع اللبناني لم تتبدّل، كما أن إرادة طهران ودمشق بإبقاء بيروت ساحة لنفوذهما لم تتغير، ولكن المتحوّل الوحيد في هذا المشهد نابع من وصول هذين النظامين إلى وَضع بات يتعذر عليهما فيه استخدام لبنان كورقة، وذلك لاعتبارين رئيسيين:
أولا، الثورة السورية عَطّلت قدرة النظام على أن يكون لاعبا إقليميا، فيما بالكاد ما زال في استطاعته السيطرة على بعض أجزاء سوريا.
ثانيا، الصعود الإسلامي الناتج عن الثورات العربية أدّى إلى كبح التمدد الإيراني في ظل خشية طهران من الاصطدام بهذا الواقع ومحاولاتها الحثيثة الربط معه خشية ارتفاع منسوب التوتر السني-الشعي العائد بشكل أساسي إلى «سرقة» إيران «العلم الفلسطيني» ووَضع يدها على القرار العربي.
وعليه، وجد «حزب الله» نفسه أمام استحالتين: استحالة الوضع السوري الآيل إلى السقوط الحتمي، واستحالة الوضع الإيراني المطوّق دوليّاً بفِعل العقوبات وسنيّاً بفِعل الثورات.
أما النتيجة الأولية لذلك، فهي: تجميد مشروع «المقاومة» حتى إشعار آخر؛ تعطّل إمكانية استخدام الحزب لسلاحه في الداخل، وبالتالي تطبيقه بند اتفاق الدوحة على قاعدة «مُكره أخاك لا بَطل» والذي ينصّ على «تعهد الأطراف بحظر اللجوء إلى استخدام السلاح أو العنف أو الاحتكام إليه، فيما قد يطرأ من خلافات، أيّاً كانت هذه الخلافات وتحت أي ظرف كان».
ولا شك في أن تطوّر هذا الوضع لا بد من أن يقود في نهاية المطاف إلى تسليم الحزب لسلاحه.
أما في الجانب الآخر المتعلّق بالدول العربية، فهي فضلاً عن أن الثورات داخلها هي ثورات وطنية، ما يعني انّ انكفاءها إلى داخل حدودها مردّه إلى تحصينها بوجه الخروقات الإيرانية، يبقى أن هذه الثورات أدخلتها في مسار داخلي طويل من قبيل تطوير مؤسساتها وتجربتها، الأمر الذي يجعل دورها يقتصر على تمتين هذه التجربة وحمايتها.
ولكن ما يجدر التوقّف عنده أنه ما بين ثورة الأرز والثورات العربية نجح لبنان بتحقيق أهداف أقلّ ما يقال فيها إنها استراتيجية: من تبَنّي فريق من اللبنانيين شعارَي «لبنان أولا» و»الدولة أولا»، إلى اضطرار فريق آخر إلى التسليم بـ»التحييد» قسراً والذي تحوّل إلى أمر واقع.
