ليست وفاة قدس البابا شنودة، أنبا الأقباط الارثوذكس في مصر، خسارة لهذه الطائفة الكريمة وحسب، وليست للمسيحيين وحدهم، ولا لمصر وحدها، إنما هي خسارة للأمة العربية قاطبة.
فلقد جسّد رجل الدين الكبير هذا أجمل ما في القِيم المسيحية السمحاء، والقِيم الإنسانية العامّة في شخصه الذي تغلّب عليه الداء بعد طول معاناة فغاب في وقتٍ أشد ما تكون مصر بحاجة الى دوره القيادي. فلقد اشتهر البابا شنودة بأنّه كان دائماً، وعلى امتداد حبريته، داعية السلام والوئام والوحدة الوطنية المصرية.
وعلى امتداد الأحداث الطائفية المزعومة التي عصفت بالقطر المصري في العقود الأخيرة، بما فيها تلك التي أعقبت الثورة الأخيرة، بقي البابا شنودة يتحدّث بلغة العقل والوحدة، وكان بعيداً عن الإثارة والاستثارة، وعن تجييش العواطف والغرائز، وذلك انسجاماً مع تاريخه الوطني والقومي والديني المشرّف.
فالبابا شنودة اختلف مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي عقد معاهدة استسلام مع الجانب الاسرائيلي، وكان البابا قد اعترض أساساً على زيارة السادات اسرائيل وكلامه أمام الكنيست.
ويذكر للبابا شنودة أنّه حرّم حج الأقباط الى القدس منذ أن احتل الصهاينة شرق المدينة في حرب حزيران 1967.
وإلى الذين كانوا يأخذون عليه أنّه يتعامل مع الإعتداءات التي تعرّض لها الأقباط غير مرّة من متطرّفين أو من قوى أمنية، كان جوابه: نحن مع أهلنا هنا، ونحن لسنا جزءاً من مصر، نحن أساسٌ في مصر.
إنّ تعداد مزايا فقيد الكنيسة والأمة الكبير يستغرق وقتاً طويلاً، إنما شئنا أن نضوّي على نقط محدودة تكفي للدلالة على حياة حافلة بالوطنية العالية والعروبة الصادقة والقداسة الفوّاحة.