كتب ايلي الحج في "النهار": قاطع حزب "القوات اللبنانية" الإجتماع النيابي المقرر في بكركي يوم الثلثاء 3 نيسان المقبل فتأجل الإجتماع. ما هي العبرة؟
مَن يُراهنون على تصعيد سجال بين بطريرك الموارنة بشارة الراعي ورئيس "القوات" سمير جعجع سيُصابون بخيبة. فالبطريرك الذي ينظر إلى دوره موحّداً للطائفة وزعمائها تحت الجبة البنفسجية لن يذهب أبعد في مواجهة يهلل لها فريق من قوى "8 آذار" ولا يخشاها فريق واسع من قوى "14 آذار". السبب بسيط، إنها تنال جداً من صورة الراعي ولمّ تمضِ بعد سنة على إقامته في بكركي.
كان جعجع يعتقد أنه سيتمكن بليونته ولياقاته الكلامية من تفادي أي اختلاف علني بينه وبين البطريرك الذي سبقته إلى الصرح علامات على رغبته في أن يكون المرجع الأعلى لطائفته في القضايا الإستراتيجية، تاركاً للسياسيين جعجع وغريمه النائب ميشال عون والرئيس أمين الجميّل وغيرهم أن يهتموا بتطبيق السياسة التي يكون قد رسمها وحدّد لهم أولوياتها، وذلك خلال لقاءات دورية يجمعهم فيها ببركته ورئاسته في بكركي.
لم تصحّ حسابات رئيس "القوات" طبعاً. كذلك لم تصحّ حسابات البطريرك. فهو لم يسعَ إلى مناقشة بين السياسيين للقضايا الرئيسية التي يختلفون عليها، مثل التحالفات التي يعقدونها والمبادئ التي يتوجب عليهم إلتزامها، والموقف من "الربيع العربي" بل حدّد لهم مسائل تفصيلية ليعالجوها ويهتموا بها قانون الإنتخابات، بيع الأراضي، وحضور المسيحيين في إدارات الدولة. وما سوى ذلك.
كانت مواقف البطريرك المتلاحقة في هذا الوقت – وإن على تقطع – مما يجري في سوريا والعالم العربي، وقبلها وخلالها الإختلال في تعامل بكركي مع القيادات السنية والشيعية والدرزية، مضافة إليها خلفية نظرة بكركي الجديدة إلى السياسيين الموارنة، الذين يفترض أن دورهم انتهى وحان زمن القيادة الموحِّدة… كلها عناصر كانت تدفع في اتجاه خروج الإعتراض إلى العلن، رُغم إرادة جعجع الذي كان يُفضل ألف مرة أن يتفادى هذه الكأس المرة.
في المطلق ليست مسألة سهلة إطلاقاً لسياسي ماروني، لا سيما لابن بيئة ريفية تقليدية كسمير جعجع أن يتصدى لمن "أعطيَ مجد لبنان" في طقوس الطائفة. فلهذا الموقف تبعات تتخطى السياسة إلى الآداب المتفق عليها في العائلات. قلة تدرك ربما أن الأحاديث في صالونات كثيرة في البيئة المارونية تتحوّل همساً منذ مدة، وفي شكل تلقائي عندما تتطرق إلى الراعي. أحاديث ينتهي معظمها بعبارة : "صَه. إنه البطريرك". في الأفواه ماء كثير. وجعجع نفسه لا يخرج عن هذا النمط. فالرجل البشراوي شديد التديّن (يا لأسف حلفائه من اليساريين المتشددين في علمانيتهم) على ما كان مثاله الأعلى في السياسة والقيادة الشيخ بيار الجميّل الجدّ. لكن تديّن جعجع لا يطغى على سلوكه السياسي وأحكامه. يُشبه في ذلك رئيس الحكومة نجيب ميقاتي.
خلال الغداء التكريمي الذي أقامه الرئيس أمين الجميّل على شرف المطران يوسف بشارة، راعي "لقاء قرنة شهوان"سابقاً، في دارة الجميّل ببكفيا السبت 10 آذار الجاري، فتحت النائب ستريدا جعجع الموضوع: "نواب كتلة القوات لن يشاركوا في اجتماع بكركي"، وشرحت الأسباب. الرئيس الجميّل لزم الصمت، كعادته عندما يتعلق الأمر بأي حديث عن مواقف البطريرك في حضوره. أما الضيوف فتعددت آراؤهم، وغلبت عليها ضرورة السعي إلى إرجاء الإجتماع، وضرورة معالجة الوضع.
بعد أيام جرت محاولة قيادية من قوى "14 آذار" لتأمين حصول لقاء في القاهرة بين البطريرك الراعي وشيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيّب. الرئيس فؤاد السنيورة تدخّل مباشرة، فلا يجوز في اللياقات على الأقل أن يزور بطريرك الموارنة مصر ولا يلتقي شيخ الأزهر. وبدا أن المحاولة نجحت لكنها عادت وتعرقلت في مكان ما في القاهرة، فصرّح الراعي وهو يغادر مطار بيروت أنه لا يدري إن كان سيجتمع مع الشيخ الطيّب أم لا. وبعيد وصوله إلى مصر توفي الأنبا شنودة الثالث، فسرى كلام على احتمال حصول اللقاء خلال مراسم التشييع.
سيقول جعجع إن موقف شيخ الأزهر من البطريرك الماروني، وهو المرجع المعتدل والمنفتح للمسلمين بدليل ما نشره عن التزام الإسلام الدفاع عن الحريات، وقبل ذلك إرجاء زيارة الراعي لطرابلس أكثر من مرة، هما تعبير عن حالة استياء من دفاع الراعي عن النظام السوري لحظة ارتكابه مجازر. وإنه لو لم يتصدّ هو جعجع بصدره لكان المعتدلون السُنّة ناهيك بالمتشددين سيردّون حتماً وبقسوة على مواقف الراعي وهناك الطامة الكبرى. فالإختلاف الماروني – الماروني في السياسة يظل أفضل مليون مرة من عودة الإنقسام المسيحي – الإسلامي لأنه يقضي على لبنان. وفي مكان ما يتيح موقف رئيس "القوات" الشديد الوضوح توفير نوع من حماية للمسيحيين في سوريا. الآن ينظر المسلمون في لبنان وسوريا والعالم العربي إلى صورة ما جرى بين بكركي ومعراب على أنها خلاف في الرأي داخل طائفة كل عمرها لا تجتمع على رأي واحد. ليس صحيحاً أن عموم الموارنة ومسيحيي لبنان يؤيدون نظام بشار الأسد. منقسمون لا بأس.