كتبت كريستينا شطح في "الجمهورية": لم يكن من الصعب الاستنتاج، مع إنجاز لجنة بكركي مهمّتها، أنّ "المكوّنات الوطنية" استقبلت أعضاء اللجنة من باب "الواجبات الديبلوماسيّة" والتجاوب مع رغبات البطريركية المارونية، لا أكثر ولا أقلّ.
أمران أساسيّان أفرزتهما مهمّة اللجنة: تحرُّر القيادات السياسية من أيّ خيار انتخابيّ ملزم قبل سنة ونصف سنة من الانتخابات، وعدم تقديم بدائل واضحة لمشروع "اللقاء الأرثوذكسي" الذي رسب في امتحان القبول.
فصحيح أنّ البطريرك الماروني ما بشارة بطرس الراعي وجد في طرح "مشروع اللقاء الأرثوذكسي" أمراً لا يمكن تجاوزه، في اعتبار أنّه يأتي بـ 64 نائباً مسيحيّا بـ"عَرق الجبين"، فقرّر إطلاق ورشة استعادة المقاعد "المحتلّة"، إلّا أنّ الأصحّ هو أنّ بكركي كانت قد دشّنت "الماراتون الانتخابي" بسلسلة اجتماعات سابقة في الديمان محاولة الدخول شريكاً انتخابيّاً مقرّراً، وليس مجرّد متفرّج.
ولكن لماذا فشلت مساعي بكركي؟ ولماذا فشل "المشروع الأرثوذكسي" تحديداً؟
تلفت مصادر سياسيّة واكبت عمل "لجنة بكركي" إلى أن ليس هناك فشل للمشروع الأرثوذكسي لأنّه لم يكن هناك اقتراح أرثوذكسيّ لقانون الانتخابات، بل إنّ "الاقتراح الأرثوذكسي" كان لتبيان الأسباب الموجبة التي تفرض الاعتراف بخصوصية الأرثوذكس وتملي في الوقت نفسه ضرورة التفكير بطريقة إنتاج نوّاب أرثوذكس من كنف الرأي العام الأرثوذكسي وليس الإتيان بنوّاب أرثوذكس من كنف القيادات المذهبية الأخرى سواء كانت مسيحيّة أخرى أو إسلاميّة.
وكجزء من المشكلة العامّة، تحدّث اقتراح "اللقاء الأرثوذكسي" تفصيلاً عن الواقع الذي نعيشه اليوم في لبنان، ألا هو "الكيانات المذهبية"، فكلّ كيان له حدوده وإعلامه وماليته ومؤسّساته وثقافته وطقوسه وأدبيّاته، وله أيضاً علاقاته الخارجية. وانطلاقاً من هذا الواقع، كلّ كيان ينتج نوّابه، السنّة والشيعة ينتجون نوّابهم، والدروز أيضاً، وإذا أتينا إلى الواقع المسيحيّ ندرك أنّ من أصل 64 نائباً مسيحيّاً هناك 35 نائباً من بينهم مستولدون من كنف الكيانات المذهبية الأخرى، وهذا أمر غير عادل وغير مقبول.
وبناءً عليه أتى الاقتراح الأرثوذكسي لتحقيق "المناصفة الفعلية" التي نصّت عليها المادة 24 من دستور الأمّة، وعلى هذا الأساس فإنّ مطلب الاقتراح الأرثوذكسي قائم ويشكّل مادّةً نضاليّة، منعاً لاستيلاد المسيحيّين عموماً والأرثوذكس خصوصا، نوّاباً من كنف الكيانات الطائفية الأُخرى، لأنّه غير منتظر من الطبقة السياسية والإسلام السياسي الذي يستولد نوّاباً مسيحيّين من كنفه أن يتخلّى عن هذا الامتياز بسهولة.
وتلقي المصادر إيّاها المسؤولية على عاتق المؤسّسة الكنسيّة الأرثوذكسية التي لم تستطع حتى تاريخه أن تخرج إلى العلن بطلب واضح وصريح الإجابة على السؤال: من ينتخب النوّاب الأرثوذكس؟ معتبرةً أنّ رجال الدين الأرثوذكس مرتهنون لقوانين اللعبة التقليدية نتيجة ارتباطهم بما يسمّى "establishment" السياسية".
وفي الإطار نفسه تثمّن المصادر جهود البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم لتأليف "الهيئة الاستشارية الأرثوذكسية" لأنّها ضمّت رموز الإسلام السياسي، ومنها الوزير نقولا نحّاس مندوباً لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، والوزير السابق طارق متري مندوباً للرئيس فؤاد السنيورة، والنائب روبير فاضل مندوباً لتيّار "المستقبل"، وهذه شخصيّات أرثوذكسية بامتياز، على أمل أن تؤمّن مواقع متقدّمة للأرثوذكس في التعيينات المقبلة. والسؤال هنا ليس الحفاظ على حقوق الأرثوذكس فقط، بل من سيعيّن هؤلاء؟ هل المؤسّسة الأرثوذكسية أم القيادات الطائفية التي أتت بنوّاب هؤلاء؟
ولكنّ هذه اللجنة لا تستطيع، حسب المصادر نفسها، تعويض الحرمان الذي لحق بـ"الأرثوذكس" ولكن أتى بهم البطريرك هزيم لكي لا يلحق الأذى أكثر بهذه الطائفة، ولعلّ القانون الانتخابي المعمول به راهناً هو أوّل عامل مساهم في تهميش الطائفة الأرثوذكسية.
وتساءلت المصادر، أليس من حقّ المسيحيّين اليوم تبنّي قول رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط، من على باب القصر الجمهوري عندما تساءل: "أليس من حقّي اليوم أن أحافظ على خصوصيتي وأن لا أذوب في المساحات الأخرى؟
وتعتبر المصادر أنّ لجنة بكركي فشلت في مقاربة الموضوع لأنّها قضت على فكرة المناصفة الفعليّة قبل أن تبدأ بالمفاوضات، لأنّها ذهبت من موقع تفاوضي ولديها تسليم مسبق بأنّ المناصفة الفعلية هي مطلب حقّ للمسيحيّين ولكنّها لا تملك الجرأة في المجاهرة بقضيتها أمام حلفائها السياسيّين لحسابات سياسية ضيّقة، ويعمّم هذا الخلل على جميع القيادات المسيحيّة الموجودة داخل لجنة بكركي.
وإلّا، لماذا حزب الكتائب الذي يعتبر نفسه "المدافع الأوّل عن حقوق المسيحيّين" لم يجرؤ على المجاهرة بهذا المطلب؟ ولماذا رئيس تكتّل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون الذي يدرك جيّداً أنّ هذا هو الواقع لم يتبنَّ هذا الطرح؟ هل إرضاءً لحلفائه؟ ولماذا انحفضت أصوات رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعحع ورئيس تيّار "المردة " النائب سليمان فرنجية والنائب بطرس حرب عن المطالبة بهذا الموضوع؟
وتشدّد المصادر على أنّه لو لم يكن هناك من إصرار لدى بكركي لما كان لمشروع "اللقاء الأرثوذكسي" أن يأخذ هذه المساحة الواسعة من النقاش وردود الفعل. وتكشف عن أنّ اللقاء النيابي الماروني الموسّع، في كانون الأوّل الماضي، الذي أجمع المشاركون فيه على أنّ طرح "اللقاء الأرثوذكسي" يشكّل صيغة "التمثيل العادل"، شهد حفلة مزايدات مسيحيّة خرقتها يومها لاءات عونيّة في حال كان الانتخاب سيحصل على أساس مذهبي، واعتراضات فرنجية على مشروع "لن يؤمّن الحماية لمسيحيّي الأطراف".
وتؤكّد المصادر في ضوء كلّ هذه المعطيات أنّ "هناك علامات استفهام حول مواقف هؤلاء. وتسأل: هل هناك من بديل لهذا الطرح لدى القوى السياسية المسيحيّة؟