على الرغم من أهمية الخبر غير المؤكد تماماً الآتي من ميناء طرطوس، ويفيد بنزول وحدة روسية لمكافحة الارهاب فيها، بما يشي بتورط متزايد لموسكو في محاربة الثورة السورية، فإن الخبر الأهم يبقى في الاشتباكات التي دارت طوال ليل امس في دمشق (المزة) بين وحدة من "الجيش الحر" وقوات النظام في سوريا، وقد استمرت حتى ساعات الصباح الاولى متزامنة مع مواجهات في عدد من ضواحي العاصمة. وتكمن اهمية ما حصل البارحة في المزة بكونها واقعة تحت نوافذ القصر الرئاسي الرابض على جبل قاسيون. بمعنى آخر، فإن بشار الأسد وزوجته التي تتلهى بالتبضع على شبكة الانترنت قد سمعا بوضوح أصوات الرصاص والانفجارات، وفهما تماماً ان الارض تتغير بسرعة ولا سيما في المدن الكبرى وفي مقدمها العاصمة. وبصرف النظر عن قوة النظام العسكرية، فإن بلوغ "الجيش الحر" منطقة مركزية مثل حي المزة في دمشق يعتبر نقلة نوعية في المعركة، ويعزّز صدقية الاصوات المتعالية في كل مكان بحناجر مقاتلي الثورة وهي تصدح بعبارة سمعناها في ليبيا: "جايينك يا بشار".
إن الوضع في المدن الكبرى اي دمشق وحلب يتغيّر بسرعة فائقة: في دمشق يتضح ان الضواحي المسماة ريف دمشق خارجة عن السيطرة الفعلية لقوات بشار. كما أن الاحياء التي تلف العاصمة تتحرك ليلا من دون ان يتمكن النظام من حسم وضعها. و لعل ما يخبرنا به ديبلوماسيون مقيمون في دمشق من أن الاوضاع صارت لا تطاق، وان العاصمة اشبه بثكنة عسكرية تنتظر ساعة السقوط، يكشف حقيقة مفادها ان النظام يتهاوى. أكثر من ذلك، فإن العاصمة الاقتصادية والتجارية، أي حلب، صارت مسرحاً لعشرات التحركات الميدانية ضد النظام، من دون ان ننسى جامعة حلب التي تعكس قوة الحراك الثوري في الوسط الطالبي الممثل لكل الفئات الاجتماعية في المدينة وريفها.
ومن المهم بمكان ان نذكر بقول رئيس هيئة الأركان في الجيش الفرنسي الأميرال غيّو ان النظام في سوريا، والذي يبدو متماسكا من الناحية العسكرية، سيقاتل الى ان ينهار في لحظة معينة قد لا تكون بعيدة جداً، بشكل مفاجئ وسريع، تماما كما حصل مع نظام الرئيس العاجي السابق لوران غباغبو.
إن بشار لا يسيطر على سوريا. إنه يخوض حرباً في سوريا، وهذا مختلف تماماً. كما أنه يفتقد الى البيئة الحاضنة الضامنة لاستمراره في القتال. في المقابل، يتبيّن ان ارتفاع أعداد الشهداء و تزايد الأعمال الوحشية والارتكابات الفظيعة التي ينفذها عسكر النظام لم تؤت "ثمارها"، بل انها ادت الى مزيد من التصلب والاصرار من جانب الثورة على مواصلة المعركة الى النهاية.
ان نظام بشار يسير نحو الهاوية بخطى متسارعة. وربما أفقنا يوماً على خبر اندلاع معارك شوارع في جميع أحياء دمشق بين من تبقى من قوات النظام، و"الجيش الحر" والمنشقين أخيراً.
حان الوقت للتفكير الجدي في ما بعد بشار.