#dfp #adsense

“التفصيل” الحتمي

حجم الخط

لم تعد التفاصيل مهمة كثيراً في الوضع السوري. السياق العام الأساسي يقول ان السلطة الأسدية دخلت وأدخلت معها كل سوريا في طريق باتجاه واحد. لا عودة فيه الى الوراء. ولا إمكانية متوافرة معه لردم الحفر والجور والمستنقعات الكثيرة التي أحدثتها الدبابات والراجمات والمروحيات.. والخناجر والسكاكين في الجسم الوطني، كما في البنى الأسمنتية التي أُحيلت دماراً ويباباً.

غير ان بعض التفاصيل يحمل في ذاته أهمية لا يُستهان بها: يعني ان تجري على مدى ليلتين متتاليتين مواجهات عسكرية في قلب العاصمة، بل على مشارف المراكز السيادية الرسمية، فذلك ليس أمراً عابراً بل مقيمٌ.. ويبدو ان إقامته ستطول!

"التفصيل" المذكور مهم في جغرافيته، لكن الأهم في توقيته. حيث صدوره في عزّ الحملة العسكرية "الناجحة" في الشمال السوري، وفي عزّ الحملة السياسية والإعلامية (المواكَبة محلياً!) القائلة بأن السلطة قطعت المرحلة الخطيرة! وانتصرت في معركة البقاء!، وانه لم تعد هناك إلاّ عمليات "تنظيف" ستأخذ بعض الوقت، قبل أن تستكمل!.

غير ان الحسابات الفعلية والحقيقية لأصحاب تلك السلطة تختلف حُكماً عن تلك التي تُذاع وتُعلن وتُنشر.. يعرف هؤلاء بالتأكيد، أكثر من كل الناس، ان الحسم العسكري لا ينهي ثورة شعبية. وان ما يجري في سوريا هو ثورة مؤكدة، وليست مؤامرة مركّبة بإعجاز لا يُضاهى. وان الدخول الى موقع عسكري في قلب مدينة سكنية، ليس انتصاراً، بقدر ما هو مغامرة عجزت جيوش أهم وأكبر وأقوى وأفحل عن الخروج منها بانتصار، تام أو نسبي!.. ويعرف أهل تلك السلطة بعد ذلك، ان الحرب الإعلامية والنفسية توازي في أهميتها الأخيرة الحرب بالدبابات والمدافع والسواطير والسكاكين، وان تلك الحرب خُسِرت منذ اللحظات الأولى، وما عاد هناك شيء على وجه الأرض، يمكن أن يُعدّل النتيجة لمصلحة التركيبة الحاكمة.

يعرفون ذلك وأكثر منه، ورغماً عن هذا أحكموا الإقفال على خيارهم الأخير: المواجهة تامة. تشبه "أم الحواسم" العراقية. إما النصر أو الموت!
الفارق الجوهري الأول والأهم، في حالة السلطة الأسدية هو ان معرفتها للطبيعة التامة لما تواجهه، دفعتها الى تحويل إزدواجية النصر أو الموت، الى ثلاثية جهنمية لا مثيل لها: النصر أو الموت، أو التقسيم الفعلي لسوريا.. ومخطئ سلفاً وتماماً، من يرى بعد ذلك، إمكانية لحل سياسي توافقي تقاسمي ائتلافي (سمّه ما شئت) للمعركة المفتوحة.

مواجهات المزّة والمالكي في قلب دمشق، "رسالة" تفصيلية مباشرة للسلطة، وإعلامية ـ سياسية ـ نفسية، أكثر من كونها أمنية أو عسكرية تقول ان الأقانيم الخمسة تلك مترابطة في تقرير نتيجة "الحرب".. وما ظهر حتى الآن يؤكد استحالة انتصار تلك السلطة في هذه الحرب.. أما الحكي عن انتصار شعب سوريا، فدونه أهوال، لكنها لا تلغي حتميته!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل