بعد دخول العماد ميشال عون، ضيفا غير مدعوّ، على خط الاختلاف في الرأي بين البطريرك الماروني بشاره الراعي، ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع على خلفية تصريحات الراعي حول الوضع في سوريا، واعتباره ان النظام السوري اكثر ديموقراطية من انظمة عدد من الدول العربية، ما دفع جعجع الى انتقاد هذا الموقف السياسي، معتبرا انه في غير مصلحة المسيحيين في سوريا ولبنان والعالم العربي، ولا ينطبق على واقع هذا النظام، توقعت في مقال سابق ان يقوى السجال بين الرجلين، وان تنهار مساعي البطريرك الماروني السابقة، للتوفيق بين القيادات المارونية في لقاءات عقدت في بكركي.
هذا التوقع، لم يأت من عدم، بل هو مبني على الوقائع التي سجّلها عدد من الكتاب والزملاء الاعلاميين استنادا الى احاديث خاصة مع الرجلين او الى ارشيف الاحداث والتصريحات التي تروي بداية الخلاف العميق بين جعجع وعون على طريقة معالجة الاوضاع الامنية والسياسية في لبنان، منذ تسلّم العماد عون قيادة الجيش وحتى تعيينه رئيسا لحكومة عسكرية انتقالية، وصولا الى حرب الإلغاء التي شنّّها ضد القوات اللبنانية وكسرت ظهر المسيحيين واضعفتهم وكانت السبب المباشر الاول لموافقة البطريرك نصرالله صفير وقائد القوات اللبنانية للقبول باتفاق الطائف ومن بعدها الحرب ضد الجيش السوري التي انتهت بسقوط المناطق المسيحية وفي طليعتها وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، ونفي العماد عون الى فرنسا بعد لجوء طويل الى السفارة الفرنسية.
طول هذه الفترة المضطربة من تاريخ لبنان التي اوجزناها بكلمات، كانت دائما تبدأ باتهامات يسوقها عون ضد جعجع والقوات فيردّ عليها جعجع بما يناسب، وتقع الواقعة وتحصل الاشتباكات الى ان انتهت كما اشرنا بحرب قاسية مدمّرة، ما زال المسيحيون يدفعون حتى اليوم ثمن نتائجها خلافات وعداوات واحقادا في الوطن والمهجر.
ساحة السجالات اليوم اوسع واكبر، اولا بوجود وسائل اعلام عديدة ومتطورة اكثر من تلك التي كانت تستخدم في سنوات الثمانينات وبداية التسعينات وثانيا بسبب اختلاف المواقع والتحالفات، خصوصا في جبهة العماد عون، وتبدّل المعادلات المحلية والعربية والاقليمية، وثالثا وهذا هو الامر الاهم، اصرار عون وحلفائه على إلغاء جعجع والقوات اللبنانية، وشطبهما من الحياة السياسية، ان لم يكن بالقوة، للتعذّر، فعن طريق شن حملات متتالية من الاتهامات والاختلاقات والتجنّي، مصحوبة بمحاولات فتح ملفات جديدة بقصد التشهير والارباك، وفتح قبور قديمة من زمن الحرب، واعادة انتاجها بالصوت الستريوفونيكي والألوان وما تيسّر من مشاهد الحركة و«الاكشن» ظنا منهم انهم قادرون على تغيير التاريخ وقلب الحقائق واحتلال ذاكرة اللبنانيين بأساطيرهم المركّبة.
****
لن ادخل لا في التوسيع ولا في التفاصيل، لأن المجتمع المسيحي الضيّق، والمجتمع اللبناني العريض، لم يعودا قادرين على تحمّل حرب جديدة بين العماد عون والدكتور جعجع، حتى ولو اخذت شكلا يختلف عن الحرب بالمدفع والبندقية، لأن حرب الكلمة الجارحة غير المسؤولة، وغير الصحيحة، تؤذي مثلها مثل الحرب بالحديد والنار، وفي احيان كثيرة، تكون الباب والمدخل والفتيل التي تشعل مثل هذه الحرب، خصوصا ان اللبنانيين عموما، والمسيحيين خصوصا، باستثناء طبعا من في نفوسهم غرض، اصبحوا يعرفون الحقيقة، ويدركون تماما ما حدث سابقا وما يحصل حاليا، وملّوا مشاهدة وسماع هذا الفيلم الطويل عمّا حصل اثناء النزاعات المسلّحة والحروب الداخلية، يروى بذاكرة مختلفة تعمّدا لأذية واساءة، ليس الاّ، لأن هذا النمط من ممارسة السياسة، طريقه مسدودة، ولا يمكن ان يوصل الى اي تغيير في المعادلات والحسابات السياسية كما يحلم اصحابه ومنتجوه.
يقول العماد عون، ان الصيف المقبل سيشهد انطلاق ماكينة التيار الوطني الحر، للانتخابات النيابية في العام 2013 ويقول ما معناه، ان اللبنانيين سيعرفون من هو الاقوى بين الشعب.
على الرغم من ان المواطنين لم يعرفوا بعد بموجب اي قانون انتخابي سيقترعون الاّ ان ما يقوله العماد عون، هذه المرة، هو القول الصحيح، وهو الذي يجب ان يكون لغة الجميع وفي شكل دائم، اي لغة التنافس الديموقراطي الحر، وكسب ثقة الناس بالأفعال الملموسة، وليس بالاقوال والوعود التي يتم الانقلاب عليها في اي وقت، او بالاتهامات العشوائىة، والإثارة والنكايات، ولتكن المعركة الانتخابية السياسية، مستندة الى القاعدة الرياضية التي تقول عند كل تنافس: ليربح الافضل، اما الاستقواء بهذا النظام او ذاك، وبهذا الحليف او ذاك، بما يملكون من قوة وسلاح وبطش، فهذه مواقف مرفوضة ولا تدخل في الدائرة المقدسة للحياة الديموقراطية التي تميّز الشعوب المتحضرة الراقية، وشعب لبنان في اغلبيته الكبيرة من هذه الشعوب، والآتي قريب، وسيعرف اللبنانيون من هو الرابح الافضل.
