لم يعد موضع شك أو تساؤل أن نظام آل الأسد في سوريا هو نظام "متعاون" مع العدو الاسرائيلي أو أقله أنه نظام أتقن التعايش مع هذا العدو وقدّم له الخدمات الجلّة على امتداد أكثر من أربعين سنة. وفي حين ساهمت اتفاقيات "كامب ديفيد" وما تلاها بين بعض الأنظمة العربية واسرائيل في إراحة الأخيرة، تناغمت "ممانعة" آل الأسد مع اسرائيل وأمنت لها تحت راية الممانعة ما لم تكن أنظمة الاعتدال قادرة على تقديمه. قتل هذا النظام من قتل من المقاومين الفلسطينيين وحاصر قضيتهم وحرّض الأخ على أخيه وكذلك صفى من صفى من رجال الحركة الوطنية في لبنان والشخصيات العربية واللبنانية المقاومة لاسرائيل.
قام أيضاً النظام السوري بابتزاز الملوك والرؤساء العرب في كل الملفات العربية والاقليمية وتحالف مع الثورة الايرانية صاحبة الأطماع الكبرى في العالم العربي وسهّل لها اختراق مجتمعات هذه الدول بحجة نصرتها لقضية العرب المركزية، كما أنه تعاون بقوة مع معظم أجهزة استخبارات الغرب.
باختصار، لقد رفع النظام السوري راية الممانعة العربية عالياً مدّعياً الزود لوحده عن شرف الأمة في حين أنه كان هو الذي يبيع ويشتري على ظهر القضية وأهلها خادماً اسرائيل وأعداء العرب خير خدمة، بالمقابل كافأته اسرائيل وما زالت عبر منحه حماية دولية لا تحرق ولا تغرق، وكذلك، فعلت وتفعل ايران التي تدافع عن بقائه بكل ما أوتيت من مال ورجال وأسلحة ومخابرات.
أما على الصعيد الانساني، فإن من يُقتل على أيدي العدو الاسرائيلي يعرّف بشهيد وتقام له جنازة لائقة، في حين أن من يقتل على أيدي النظام السوري بعد التعذيب يُصنّف في خانة الارهابيين أو المخرّبين ويُشنَّع في جثته ويُهرَّب تشييعه.
وفي حين أن السجناء الفلسطينيين في اسرائيل معروف عددهم ويمكن لمنظمة الصليب الأحمر الدولي زيارتهم، نجد أن عدد اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين القابعين في السجون السورية غير معروف على الاطلاق حتى أنهم من شدّة البؤس والتعذيب يتمنون الموت هرباً من جلاديهم. كذلك فإن عدد الأطفال الذين عذّبهم وقتلهم النظام السوري في سنة واحدة يسابق عدد الأطفال الذين قتلهم العدو الاسرائيلي في لبنان وفلسطين.
وبالرغم من هذه الوقائع الدامغة نجد في محيطنا القريب من يستبسل في الدفاع عن هذا "الممانع العربي الأوحد" الذي تنازل عن الجولان لاسرائيل وتنازل عن كل الداخل السوري العربي لمصلحة ايران ومقاتليها كما سبق وتنازل لتركيا عن لواء الاسكندرون.
واليوم، فإن الأسد وهو ينهار يقايض تدميره وتقطيعه لأوصال سوريا العروبة الحقة بحصوله على غطاء "مشرف ومحمي" لرحيله مع ضمانات دولية بعدم ملاحقته على إجرامه. لقد حوّل نظام آل الأسد سوريا من "قلب العروبة النابض" إلى قلب التآمر على العروبة وقضايا العرب.
واليوم، فإن الربيع السوري هو ربيع أبطال سوريا الحبيبة من أطفال ونساء ورجال، أنه قطعاً أجمل من أي ربيع عربي آخر حيث ينتفض الإنسان والانسانية في وجه الوحش والبربرية. هذا الربيع السوري هو ربيع لفلسطين وللفلسطينيين ولـ"فتح" و"حماس" وهو أيضاً ربيع للبنان ولشهداء ثورة الأرز، إنه ربيع عنفوان الإنسان العربي في كل الأقطار العربية.
العبرة مما تقدم، وفيه ربما تكرار لما يعرفه كثيرون منا أن من "الوظائف" الحيوية للنظام السوري استعمال بلدنا لبنان كورقة وكساحة يتاجر ويبتز عبرهما لذلك علينا أن نعلم أن لا راحة للبنان (أو بداية أمل بالراحة) إلا بزوال هذا النظام! نعم! ليست "14 آذار" من يربط مصيرها ومصير لبنان بمصير الثورة في سوريا وبزوال النظام السوري، بل إن العكس هو الصحيح. فسوريا الأسد التي تجذرت في لبنان عبر حلفاء وأزلام لها من رؤساء، وسفراء، ووزراء، ورجال دين، وشبيحة هي من يحتم علينا استعادة لبنان من يد من جَيّرته له ساحة مشرعة لعربدة وفوضى دائمتين خدمة لممانعة مزيفة! نعم! من أبسط حقوق "14 آذار" واللبنانيين أن يتمنوا جهاراً زوال النظام المنتهك لكل مقومات الدولة في لبنان، ولكن ليس من حق بعض مواطنينا أن يذهبوا لمشاركة هذا النظام في قتل أطفال وأحرار سوريا أو أن يعتلوا المنابر تبريراً لهذا القتل.
المحامي حسان الرفاعي عضو المكتب السياسي في "تيار المستقبل"