عزيزي أبونا بشارة،
تردّدت كثيرا قبل أن أكتب إليك، مع أني اشتقت إليك على الصعيد الشخصي كثيرا.
أذكر صداقتنا الطويلة، منذ أيام كنتَ لا تزال تدرس اللاهوت وكنت أنا بعد في مراهقتي.
أذكر عملنا سويا في رعية مار يوحنا المعمدان في الأشرفية، يوم صرت كاهنا في رعيتها وكنت أنا رئيس فوج الطلائع، وكم تعاونّا سويا لإنجاح رعيتنا.
أذكر كم كنتَ تغار على الرعية، وكيف عملنا معاً لتجهيز الكنيسة والصالة بما تيسّر، وكيف كنتَ تشجعنا وتدعمنا لإقامة النشاطات والحفلات والسهرات للطلائع والفرسان وشباب الرعية من أجل جذبهم وأيضا من أجل تأمين مدخول مادي للكنيسة ولنشاطتنا.
وأذكر خصوصا نقاشاتنا السياسية الطويلة، أنا القواتي منذ نشأتي رغم أن لا علاقة لعائلتي بـ"القوات اللبنانية" وانتمائي للقضية يعود الى تشبعي بالقراءات ومتابعتي للسياسة منذ صغري، وأنت من خلفية كونك مقاتلا سابقا مع الراحل إيلي حبيقة وتكن حقدا دفينا لجعجع الذي أطاح بحبيقة من قيادة "القوات" بسبب الاتفاق الثلاثي.
أذكر كل الأخبار التي كنتَ ترويها لي عن ممارساتك الشخصية أيام كنت ترتدي البذة العسكرية الزيتية، وكيف مارست مع جماعة حبيقة كل الموبقات، وكيف وصل بك الأمر الى حدّ إطلاق النار على والدك وكيف كدت تقتله لو لم ينبطح في اللحظة الأخيرة على شرفة المنزل، وذلك لمجرّد أنه حاول أن يمنعك عن فعل شيء.
وأذكر أيضا كيف كنتُ أنا أتحسّر في قلبي وأقول لك إن هذه الممارسات لا تجوز لأنها تسبّب نفور المجتمع وتؤذيه، وكيف أن هذه الممارسات تشوّه صورة القضية.
كانت ذريعتك الدائمة أن عناصر من "القوات" بقيادة جعجع يمارسون هذه الممارسات، وتنسى أنتَ شخصيا المنتمي الى جماعة حبيقة ماذا كنتَ تفعل!
أذكر أني قلت لك مرة إن ممارساتك تشكل أسوأ نموذج قواتي… فرجاء ألا تخبر أحداً عنها لأنني أخجل بها.
وابتعدنا فترة، قبل أن نلتقي مجددا أيام كان "الحكيم" قد دخل الى معتقله في وزارة الدفاع. يومها صرتَ تدافع عن جعجع "مرغما" الى حدّ ما، وذلك لأنك أيقنت في صميم ذاتك أنه قائد فعلي وصلب جدا وأنه سُجن لأنه يرفض أن يساوم على مبادئه.
ولكن… ولكن لم أصدّق نفسي حين سمعتك من على الشاشة الصفراء، هي هي الشاشة البرتقالية الصفراء التي لا تعرف غير بث الأحقاد ونبش القبور وإثارة الغرائز. شاهدتك مشاركا في الجرم والخطيئة.( أبرز ما جاء في مقابلة الاب ابو ملهب في 16-3-2012 عبر الـOTV)
نعم أنت كاهن رعية مار يوسف- الروضة، مار يوسف الذي احتفلنا بعيده بالأمس وأب العائلة المسيحية الصالحة، شاهدتك تبث أحقادا دفينة ضد أكثر من نصف أبناء رعيتك وأصدقائك وأحبائك… وأنا منهم!
أنتَ كنت تقول إن ميشال عون وإميل لحود أخطآ عندما وقعا على العفو. هل تدري أن سمير جعجع أمضى 4114 يوما في زنزانة انفرادية تحت الأرض في حين كان إميل لحود ينكل بالمسيحيين وعون كان يتنزه في القصور الباريسية؟ وهل سمعت يوما أن جماعة ميشال عون اعتدوا على الصرح البطريركي في العام 1989 وشتموا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير وأهانوه فقط لأنه لم يكن من رأي عون السياسي؟
وتقول إن القيادة الفرنسية نصبت فخا لعون وهو لم يكن يريد الهروب؟ ألم تقرأ اعترافات الضابط الذي قاد ملالة الهروب؟ ألم تقرأ أن عون حضّر نفسه للهروب ونفذ السيناريو 3 مرات قبل 13 تشرين لمعرفة كم يستغرق وصوله الى السفارة الفرنسية بالملالة هربا؟! وسؤال على الهامش: من أعطى الأوامر لعسكره بأن يأتمروا بأوامر العماد إميل لحود يومذاك، وفقط بعد 47 دقيقة على بدء المعركة؟
ومن غيّر خطاباته من العداء لسوريا و"حزب الله" وسلاحه؟ أهو سمير جعجع من فعل ذلك؟ من قال إن الغبي هو من يراهن على الأنظمة الديكتاتورية لحماية المسيحيين خوفا من الأصوليات؟ أهو سمير جعجع من قالها أم ميشال عون؟
هل تذكر أيضا الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل أم أنك نسيته؟ هل نسيت قوله إنه من سابع المستحيلات أن يأتي نظام سوري أسوأ من نظام آل الأسد؟
وأنت أيها الكاهن- المقاتل، هل تعتبر أن المسيحيين أهل ذمة يحتاجون الى حماية العلويين في سوريا؟ بربّك راجع كل تاريخ المسيحيين أيام العباسيين والأمويين والعثمانيين كيف أنهم لم ينحنوا يوما لغير خالقهم. لم نهب يوما لا أكثرية إسلامية ولا عثمانية- تركية ولا أي أكثرية على وجه الأرض. هل نسيت أن 11 تلميذا، (لأن صديقك يهوذا العصر القديم شنق نفسه أما يهوذا العصر الجديد ميشال عون لا يزال ينتظر) نعم 11 تلميذا- رسولا غيّروا وجه الكرة الأرضية… فهل تحدثنا اليوم عن أقليات يعيش بطريرك الموارنة الجديد بكل أسف هاجسها؟
ألا تشعر بنفسك أنك تشبه هتلرا جديدا وأنت تنظر الى دماء الأطفال في سوريا وأشلاء أجسادها تتشلع وأنت تفرح في سرّك انتقاما؟ ما ذنب الأطفال؟ وهل مقبول ذبح شعب بكامله؟ أين انسانيتك؟
هل تتحرك احقادك ضد سمير جعجع فقط لأنه رفض السكوت على هذه المجازر ورفض أن يُسجّل التاريخ على الكنيسة المارونية وبطريركيتها أنها كانت في يوم ما الى جانب مجرم ظالم ضد شعب يُذبح؟
تذكّر أن المسيح حمل يوما سوطه ودخل الى الهيكل وطرد الباعة منه صارخا في وجههم: "أخرجوا يا ملايين، لقد جعلتم من بيت أبي مغارة للصوص". وعلى من ينطبق هذا القول اليوم أكثر من ميشال عون وصهره المدلل اللذين تاجرا بالمسيحيين وأخذا أموال الشعب بحجة المقاومة فأودع عون الأموال بالملايين في حساب زوجته، واليوم يكمل مع صهره تجيير إرادة المسيحيين، قسم منها، من أجل حفنة من "المال الطاهر والنظيف".
لا أصدّق يا أبونا بشارة أنك، وبثيابك الكهنوتية، تنزلق الى مستوى بث الأحقاد وتحريك الغرائز… هل سمعت بالمحبة يوما؟ هل سمعت بقول السيد المسيح: "أحبوا أعداكم… باركوا لاعنيكم… أحسنوا الى مبغضيكم"؟
لن أدخل في نقاش سياسي معك لأنك يُفترض أن تهتم بأمور الصلاة والرعية ولا تدخل في التفرقة وبث السموم. تذكر قول يسوع: "مرتا، مرتا، أنت تهتمين بأمور كثيرة أما المطلوب فواحد".
ربما من الأفضل لك يا أبونا أن تتذكر ماضيك أنت بالذات، وتختلي بذاتك وتعود الى الصلاة لأنها وحدها كفيلة بطرد شياطين الحقد من قلبك، علك بعد ذلك ترى بعين مسيحية وتنظر الى رعيتك وتهتم بشؤونها، وتترك السياسية لأنك بتعاطيها خربت رعيتك…
عد الى الصلاة… وبارك يا سيّد!