كتب عمر البردان في صحيفة "اللواء": ما يجري على الصعيد الحكومي لا يؤشر إلى أن الأمور ستسلك مساراً ايجابياً يقود إلى تفعيل الأداء وتعزيز الانتاجية، في ظل استمرار الخلافات في وجهات النظر بين الرئيس نجيب ميقاتي ووزراء تكتل التغيير والإصلاح، بشأن الكثير من الملفات، وفي مقدمها التعيينات والانفاق المالي والكهرباء، إلى غيرها من التفاصيل التي زادت من عمق الهوة بين الفريقين، وجعلت الحكومة عاجزة عن القيام بأدنى واجباتها لمعالجة الاستحقاقات السياسية والاقتصادية التي تفرض نفسها كأولوية على جدول اعمال مجلس الوزراء في المرحلة المقبلة.
هذا الواقع المؤلم إذا صح التعبير الذي يفرض نفسه على العجلة الحكومية، ترى فيه أوساط سياسية مراقبة مؤشراً بالغ السلبية يعكس بكثير من الوضوح تعثر مكونات الأكثرية التي تمسك بالقرار الحكومي في إثبات جدارتها في تنفيذ ما وعدت به في طيات بيانها الوزاري، وفشلها تالياً في الفوز بثقة الرأي العام الذي يحملها مسؤولية ما آلت اليه الامور على مختلف الأصعدة، وبعد ما يقارب العشرة أشهر على تشكيل هذه الحكومة لم يتم إنجاز اي ملف من هذه الملفات العالقة بفعل تفاقم الخلافات بين الفريق الواحد، وسعي اطراف في الحكومة إلى الإمساك بقرارها عن طريق محاولة فرض املاءات وشروط لتغليب مصلحة قوى سياسية معينة على حساب القوى الأخرى المشاركة في التوليفة الوزارية، وهو الامر الذي اثار الكثير من الاستياء لدى الرئيس ميقاتي وفريقه الحكومي، اللذين شعرا بأن هناك من يعمل لأخذ الأمور الى مكان لا يريده اللبنانيون، من خلال خلق اعراف وتقاليد جديدة لا يمكن القبول بها بأي شكل من الاشكال.
وما يثير الكثير من التساؤلات برأي المصادر السياسية نفسها أن الذين يدعون «التغيير والاصلاح» إنما يتحملون مسؤولية التعثر الحكومي إذا جاز التعبير عبر السياسة التي يعتمدونها في مقاربة الملفات المطروحة امام مجلس الوزراء، سواء في ما يتصل بالتعيينات أو الانفاق المالي أو الكهرباء، وقس على ذلك في أمور عديدة، ما يعطي انطباعاً واضحاً بأن هناك من يتعمد العرقلة ويعمل في المقابل على تحميل المسؤولية الى غيره.
والسؤال الذي يطرح هنا لماذا هذا التعنت في موضوع التعيينات والاصرار على فرض شروط لا تأخذ بعين الاعتبار حق أطراف أخرى، وفي مقدمها رئيس الجمهورية في أن يكون لها رأيها في هذا الموضوع، ولماذا لا يُصار إلى الالتزام بالآلية التي تمّ وضعها لهذا الغرض، وهل ان هناك من يريد الابقاء على المحاصصة والمحسوبيات في التعيينات؟.
وأكثر من ذلك، فان طريقة تعامل بعض الوزراء مع هذه الملفات لا توحي بأن هناك إرادة حقيقية فعلاً بإعطاء دفع قوي لمجلس الوزراء لتزخيم ادائه وزيادة انتاجيته التزاماً بما تمّ التعهد به، الأمر الذي من شأنه أن يزيد التخبط الحكومي ويستنزف الكثير مما تبقى من رصيد سياسي وشعبي لدى هذه الحكومة التي لا تختلف كثيراً في ادائها عن الحكومات التي سبقت، بحيث لم تنجح الأكثرية في كسب الرهان وإعطاء صورة إيجابية عن عملها منذ تأليفها حتى اليوم.
انطلاقاً من هذا الواقع، يرى الوزير أحمد كرامي أن من الأسباب الأساسية التي تشل عمل الحكومة، الانقسام الكبير بين اللبنانيين، فهذا الانشقاق القائم على حدّ قوله أدى إلى قيام الكثير من العراقيل امام الحكومة وجعلها عاجزة عن تأدية المهام المطلوبة منها، من دون ان يعني ذلك مزيداً من الاستسلام للظروف الراهنة التي يواجهها لبنان، لا بل على العكس ينبغي على اطراف الأكثرية الوزارية العمل وبكل الامكانات المطلوبة لإحداث نقلة نوعية في الأداء تمكن مجلس الوزراء من تأدية دوره بشكل يرضي طموحات اللبنانيين ويساعد على معالجة الملفات الساخنة التي تفرض نفسها على الجميع.
ويقول إن التحديات الاقتصادية والاجتماعية بعد فضائح الفساد واستهداف الأمن الغذائي تفرض على المعنيين التعاطي بمسؤولية كبيرة في مقاربة الحلول المطروحة لكل هذه الملفات، واعتبار هموم النّاس وحاجاتها أولوية على ما عداها في هذا الوقت العصيب الذي يمر به لبنان والمنطقة.
ويبدي كرامي خشيته على مصير الأوضاع إذا بقي الحال على ما هو عليه، ويقول بكل صراحة: «أنا خائف على البلد أكثر من الحكومة، لأن المؤشرات الداخلية والإقليمية لا تبعث على التفاؤل، وهذا ما يدعو إلى القلق ويرتب مسؤوليات كبيرة على من بيدهم الحل والربط من أجل وضع خطة طوارئ لكيفية مواجهة التداعيات المحتملة للعواصف التي قد تهب على لبنان، ما يتطلب الابتعاد عن سياسة الابتزاز والعرقلة التي يمارسها البعض في الحكومة وخارجها، والعمل على توفير الأجواء الملائمة لانطلاقة حكومية متجددة لمعالجة كل الملفات التي لا تزال تنتظر توافق المسؤولين، وفي الطليعة التعيينات وحل مسألة الكهرباء والموازنة».
ولا يجد كرامي مصلحة لأي فريق في فرط العقد الحكومي، لأن الفراغ لا يخدم أحداً، ولا يُساعد على الاستقرار في البلد، لا بل على العكس فان أي دعسة ناقصة في هذا الاتجاه سترتد بعواقب سلبية على الوضع الداخلي لن تكون في مصلحة أي جهة سياسية، والأجدى بكل الأطراف أن تقوم بكل ما تستطيع لدعم هذه الحكومة ومساعدتها على تنفيذ بيانها الوزاري وحماية لبنان من الحريق الذي يقترب منه.
ويقول أن الرئيس ميقاتي لن يقبل باستمرار الوضع الحكومي على ما هو عليه وسيعمل على زيادة الانتاجية الحكومية وسيطرح بقية الملفات على بساط البحث على طاولة مجلس الوزراء، ومنها التعيينات في بعض المراكز، لأنه لم يعد جائزاً أن يبقى هذا الملف من دون معالجة، جرّاء الشغور الكبير في العديد من وظائف الدولة واداراتها، كذلك الأمر فان ملف الكهرباء لا يقل أهمية عن سواه، سيما وأن الوقائع المتصلة به مقلقة للغاية ولا تجعلنا نتفاءل بامكانية إيجاد الحلول الناجعة لهذا القطاع اذا لم تحصل معالجة جذرية بالعمق بعيداً من الحسابات الخاطئة وغير الواقعية.