استهلك الخطاب السياسي الهابط في لبنان المفهوم الجدي والحقيقي للاتهام حتى في مضمونه القضائي الى حد ابتذلت معه التهمة. ولذا ترانا امام فيض من الثرثرة الفارغة امام كارثة كتلك التي تتكشف فصولها يوميا في ظاهرة اجتياح المواد الغذائية الفاسدة، والتي تواكبها ظاهرة اخرى اشد غرابة تتمثل في الصمت عن المحاسبة السياسية في هذه الكارثة المحققة.
تثبت الوقائع التي تبرزها الصحافة ووسائل الاعلام التلفزيونية ان الكارثة ليست بنت ساعتها، وما ان تبينت خيوطها الاولى حتى انطلقت مبارزة محمومة بين الوزارات والادارات والاجهزة المعنية في نفض الايدي وحصر المسؤولية بالمستوردين والتجار. كل الوزارات والادارات تكاد تخرج من حمأة الكارثة نظيفة الكف لمّاعة الضمير ولا احد يسأل اين كانت طوال مدة تمكن خلالها تجار الموت والفساد من اغراق البلاد بهذا الكساد البشع ورميه في افواه الناس واجوافهم.
وفي بلد يحلق فيه خطاب التخوين ولغة الخناجر والرصاص والتسابق على استنفاد الشتيمة، لا يسمع الناس بعد اكثر من ثلاثة اسابيع من انفجار هذه الكارثة صوتا يعترف بمسؤولية سياسية او آخر ينادي بمساءلة.
كيف تسلل كل هذا العفن تحت جنح النهار والليل بألوف الاطنان والجميع ساهون عنه؟ واين كان ابطال السياسة ورموزها وزعاماتها الذين يتحفون اللبنانيين يوميا في معارك اللجان الوزارية ومجالس الوزراء والجلسات النيابية؟ وهل تقل كارثة بهذا الحجم وبهذه البشاعة عن "ملف" اجور اطاح قبل اسابيع وزيرا لانه عاند قيادته فيما تعاند حكومة برمتها ومعها مجموعة اجهزة يفترض انها حارسة السلامة العامة، ايَّ اعتراف بالمسؤولية عن كونها على الاقل زوجا مخدوعا ان لم نقل ان ثمة تواطؤا يفترض كشفه وفضحه ومقاضاته؟
ثمة ما يثير الرعب الحقيقي هو رعب انهيار الحدود الدنيا من الامان الاجتماعي والصحي المواكب لانهيار المحاسبة والمساءلة والاعتراف بالمسؤولية ولو المعنوية عن تعريض الناس للموت لئلا نبتذل التهمة ونذهب مع مذهب الثرثرة. فكيف لو صح كل ما تثيره الكارثة من شبهات حول محميات سياسية تتمدد شبكاتها بالطول والعرض، اين منها الكلام عن شبكات ارهابية؟ واي فارق بين هذه وتلك ما دامت "المادة" في النهاية هي اللبناني، سواء في الامن الامني او الامن السياسي او الامن الغذائي او الامن الاقتصادي والسياحي؟ اليس كل هذا ارهابا وترهيبا على ايدي حماة الناس؟ الم يعد في لبنان من يدرك ان الامن استباق وان الصمت على الفشل والتواطؤ هو جرم يوازي الجرم بعينه واقل ما تحتمه كارثة كهذه إقالات واستقالات بالجملة قبل ان تنفجر كوارث اخرى يتراءى حبلها الطويل مع سلسلة الإنجازات "البراقة" في سائر قطاعات الخدمات وسواها؟
