أسهل شيء في الوجود تبرير عدوانية فئة على فئة، أو انعزال فئة عن فئة، أو مزيج العدوانية والإنعزال، بذريعة انعدام الطمأنة أو انعدام الإطمئنان. هكذا تبرير هو الشرّ بعينه، لأن أي اطمئنان يبذل بين جماعات قلقة من بعضها البعض يصير بدوره سبباً إضافيّاً للإرتياب والإستنفار، وبعد أن يكون السجال محصوراً في خانة "طمئني لأطمئنك" ينتقل السجال إلى خانة "انك تضع السمّ في ترياق الطمأنة"، أو أنّك تخفي الخنجر وراء اليد الممدودة، ويمكن هنا الإستعانة بتصريح من هذا القبيل للنائب محمّد رعد.
والمشكلة هنا عويصة حقاً. ففي المجتمعات الطائفية، كحال لبنان وسوريا، نحن فعلاً أمام جماعات أهلية قلقة من بعضها البعض، وإن يكن من مواقع مختلفة وقدرة أذية غير متكافئة أبداً واندفاع للعدوانية يحتكره المتغلّبون، فالقلِق على رأس جهاز الدولة وميليشيات الدفاع الذاتيّ عن نظامه ليس كالقلق في أقبية التعذيب والمدن المستباحة. لا يعني ذلك أنّ قلقه أقل، بل يعني أنّه قلق مضاعف: قلق من كونه يفرض نظاماً فئوياً منتفي الشرعية، ومنحسر القاعدة الأهلية الداعمة له، وصولاً إلى استبقائها عند حدود أقلوية نافرة، وقلق من المستقبل الآتي، سواء عنى ذلك انتهاء السيطرة الأقلويّة، أو عنى فرض خيارات أكثرويّة صريحة وعلى طول الخط. هذا في سوريا.
أما في لبنان، فالوضع لا يقلّ تعقيداً: فصاحب الأربعين ألف صاروخ قلق، لكن قلقه ليس كقلق الأعزل من السلاح، الذي يهدّد به بشكل علنيّ مباشر، موسميّاً، وبشكل ضمنيّ أو غير مباشر، يوميّاً. لكنّ الأربعين ألف صاروخ تعني أيضاً سيطرة فئوية غير مستقرّة، وغير قادرة على ارساء هيمنة شاملة ومستقرّة، كما هي تعني قلقاً مستمرّاً من "استئناف" الحرب العدوانية التدميرية الإسرائيلية ضدّ لبنان، "المعلّقة" في آب 2006.
الجميع قلق، هذا صحيح. لكن كلّ واحد في موقع، ومن يمتلك أسباب العنف أكثر من سواه حجّته المبرّرة لقلقه أقل بشكل كبير من الذين يقاومون سلماً (لبنان) أو سلماً وحرباً (سوريا) هذا العنف. لكن ذلك لا يعني أنّ قلقه أقلّ، بل هو في مكان ما، القلق الأكثر توغّلاً في الرّعب. وهو في حال سوريا رعب مضاعف: النظام الفئويّ ترعبه ذكريات ماضي ما قبل الهيمنة الأقلويّة، ويرعبه الحاضر الكابوسيّ جدّاً بالنسبة إليه، ولا يمكن لكل ما تروّج له قناة "الدنيا" أن يهدئ روعه، وما يرعبه أكثر هو النهاية المرتقبة له كنظام، أو حتى، ما بعد النهاية، بالنسبة إلى مآل الوضع، ومصائر الجماعات المختلفة.
إذاً، كيف يمكن أن تطمئن الجماعات الأهلية بعضها؟ هل بالمكابرة على هذا الواقع، والقول إنّه ليس هناك تمييز على أساس جماعات أهلية، على ما يفعله بعض "العلمانيّين"؟ حتماً لا. هل بالغلوّ في الإمتثال لهذا الواقع، والقول إنّها جماعات أهلية مقفلة تعيش كل واحدة في كوكب ذهنيّ مختلف، وينبغي إبرام معاهدات سلام رسمية فيما بينها، ومن ثم علاقات ديبلوماسية؟ بالتأكيد لا. هل بالطمأنة الضمنية، وغير المباشرة، التي ستكون حكماً، حمّالة أوجه، وعرضة للأخذ والردّ؟ هذه غير مجدية. فحتى لو أنّ الجماعات الأهلية ما زالت تشكّل مجتمعاتنا في سوريا ولبنان والمشرق، إلا أنّ العصر الحديث قد أعاد تشكيل هذه الجماعات على صورته، وما عادت لديها لحمة داخلية، أو منطق تطوّر خاص، أو إنفصال في كوكب ذهني مختلف عن بعضها البعض، وإن كان لها استنفار متوتّر في الغالب لمسألة الهوية والعنصر، وبحث مؤرّق أيضاً عن المجال الحيويّ الجغرافيّ الذي تشعر فيه الجماعة الأهلية أنّها تحقّق نفسها على أكمل وجه من خلاله.
إذاً ما العمل؟ العهود التي تقطع بين الجماعات الأهلية لا تكون مضمونة إن لم تكن واضحة، ومباشرة، ورسمية، كما كان الأمر ما قبل الحداثة. لكنّه، وبمجرّد أن دخلنا في العصر الحديث، فإنّ العهود بين الجماعات الأهلية لا يمكن أن تكون الا ضمنية وغير مباشرة، وبالتالي غير مضمونة، ولنا دليل على ذلك في تجربة عقدين ونيّف بعد توقيع إتفاق الطائف. لا طمأنة بالمواربة، واللعب على الكلام، ولا طمأنة كذلك الأمر إذا كان الكلام فجّاً، ونافراً. وحده المعاش الداخليّ المطمئن داخل جماعة أهلية معيّنة يمكنه أن يفتح السبيل لطمأنة جماعة أخرى.
نحن فعلاً أمام واقع مأزوم للغاية في هذا الإطار. الجميع يخاف من الجميع، لكن البعض "يخاف" فيرتكب جرائم ضدّ الإنسانية، والبعض "يخاف" فيسمّي هذه الجرائم ضدّ الإنسانية "قريبة من الديموقراطية". وفي ظلام القلق المتبادل، فإنّ الوثيقة الأخيرة لقوى 14 آذار حاولت فتح كوّة، بالدعوة إلى "تنقية الذاكرة"، وهو مصطلح جديد يدخل لأوّل مرّة على حلبة السجال بين 8 و14 آذار. إلا أنّ تنقية الذاكرة رهن بالخروج من الذاكرة، وهذا يكون بإطلاق العنان للمخيلة مجدّداً. وما يصحّ في لبنان، يصحّ في سوريا أيضاً. حدود الممكن، حدود ما يمكن فعله، وما يمكن اجتراحه من حلول، للعلاقة بين الجماعات الأهلية فيما بينها، ولعلاقتها مع مفهوم الدولة ثم مع الدولة المتحقّقة، كل هذا يتطّلب أن تسرج المخيلة خيولها من دون خوف.
التفاوت الفظيع في العنف الممارس بين الجماعات القلقة بشدّة من بعضها البعض هو أيضاً مدخل أساسيّ لمقاربة هذا الزلزال، الذي يبقى زلزالاً ديموقراطيّاً، في ندائه الأوّل، ومساره العام، وأفقه الأخير.