نجحت الكنيسة في الفصل بين الدين والسياسة على قاعدة أنّه لا يصحّ أن تتكلّم باسم المسيح والمسيحيّين في آن معا، وما ينطبق على الكنيسة جمعاء ينسحب على بكركي بطبيعة الحال مع فارق ارتباط الأخيرة بعلاقة وجودية مع لبنان ودورها الطليعي في حقبتي ما قبل نشوء الدولة، أي المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وما بعد هذه المرحلة وتحديداً في أربع محطّات مؤسّسة للكيان اللبناني: إنشاء لبنان الكبير في العام 1920، الميثاق الوطني والاستقلال عام 1943، اتّفاق الطائف عام 1989 وانتفاضة الاستقلال في العام 2005.
وقد نجحت بكركي، مع بعض الإخفاقات في مسيرتها وهذا أمر طبيعي، في الفصل بين البعدين الوطني والسياسي، بمعنى أنّ دورها اقتصر على تحديد الثوابت والمسلّمات للحؤول دون انزلاق البلاد إلى غير الوجهة التي ساهمت في تحديدها والقائمة على مبدأي الحرّية بكلّ أبعادها والتعايش على أساس المساواة الحقيقية بين المسيحيّين والمسلمين.
وإن دلّت التجربة على شيء فعلى أنّ بكركي كانت تربح في كلّ مرّة أبدت تمسّكها في الموقف المبدئيّ وتخسر في كلّ مرّة انجرفت إلى التعاطي السياسي ولو بطلب دوليّ، لأنّ خلاف ذلك يضعها في حالة تنافس داخل بيئتها ويجعلها مكوّناً سياسيّاً على غرار المكوّنات القائمة، فضلاً عن أنّه يحطّ من قدرها ووزنها، في حين أنّ تمسّكها بمنظومة القيم الأساسيّة يجعلها مرجعيّة وطنية وغير عابئة بموقف هذا الطرف أو ذاك، هذه الأطراف التي يفترض أن تتموضع إلى جانب بكركي لا في مواجهتها، كونها ليست في الموقع التنافسي معها بل تعبر عن سقف وطنيّ يجعل كلّ من يقف ضدّها في موقع المتّهَم لا المتّهِم.
فالبطريركية بهذا المعنى تعبّر عن موقف وطنيّ عام يتناسب مع بقاء لبنان ودور المسيحيّين فيه، ولا علاقة له بالسياسة العامة وتفاصيلها، وأيّ تدخّل من قِبلها يجعلها صورة طبق الأصل عن الإسلام السياسيّ الذي لا يرى أنّ ثمّة انفصاماً بين الدين والسياسة، فيما الفارق الجوهري مع الكنيسة أنّها في ميدان علمانيّ وتقول بالحرّية وترفض التعاطي في اليوميّات السياسية.
أمّا لجهة مضمون الموقف الكنسيّ الذي يبدي هواجسه ومخاوفه من الصعود الإسلامي الناتج عن الثورات العربية، فلا يبدو أنّه أخذ في الاعتبار حقيقتين أساسيتين:
أوّلاً أنّ الكلام على النزف المسيحيّ المتواصل عن الشرق وتفريغه من المسيحيّين سابق لظهور الإسلام السياسيّ ومردّه إلى غياب الحرّية والتعدّد والتنوّع بفعل الأنظمة الديكتاتورية القائمة، وبالتالي إذا كان مصير المسيحيّة المشرقيّة الزوال التدريجيّ والمحتوم في ظلّ هذه الأنظمة، فإنّ التغيير، وفي أسوأ الأحوال، يفتح نافذة أفق وبارقة أمل، وكيف بالحريّ إذا كان أساس هذا التغيير ثورة من أجل الديموقراطية والحرّية والكرامة الإنسانية؟
ثانياً أنّ الحضور المسيحيّ السياسي في لبنان والذي شكّل تاريخيّاً صمام أمان في الدفاع عن سيادة هذا البلد واستقلاله ومنظومة الحرّيات داخله، فضلاً عن تشكيله رافعة لكلّ المسيحيّة المشرقية بفعل النموذج الذي استطاع تقديمه على مستوى الشراكة الحقيقية في السلطة مع المسلمين، تمّ استهدافه وضربه من قبل النظام الديكتاتوري البعثي الذي يدّعي العلمانيّة وليس من قبل الإسلام السياسي.
يبقى أنّ دخول العماد ميشال عون على خطّ الخلاف بين "القوات" وبكركي هو أمر مضحك ومُبكٍ، ولا حاجة لاستخراج مواقف عون من بكركي وسيّدها، ومن هنا الاصطدام بين بكركي والرابية هو القاعدة، فيما الاصطدام بين بكركي ومعراب هو الاستثناء، لأنّ الأوّل يرى في البطريركية منافساً له ويريدها غطاءً لسياساته المتقلّبة فقط لا غير، بينما يرى فيها الثاني حصناً مسيحيّاً ومرجعيّة دينية تاريخية تتعاطى الشأن الوطني ولعبت أدواراً طليعيّة لمصلحة لبنان والمسيحيّين.
وهل من مصلحة المسيحيّين أخيراً الوقوف في مواجهة الإسلاميّين الذين يبدون انفتاحهم عليهم ويدعون إلى قيام أنظمة ديموقراطية ومتنوّعة، في حين أنّ حزب الله" المتضرّر من الثورات العربية بدأ يعدّل في خطابه خشية من الاصطدام معهم؟ وألا تستدعي واقعة عدم حصول لقاء بين البطريرك الماروني وشيخ الأزهر الذي يمثل قمّة الاعتدال الإسلاميّ مراجعة جدّية ومقاربة جديدة للثورات العربيّة، خصوصاً أنّ وثيقة "الحرّيات الأساسية" التي أعلنها الأزهر تشكّل تطوّراً سياسيّا نوعيّاً ليس فقط في مسار الثورات العربية، إنّما على المستوى الإسلامي برُمّته؟
