كتبت دنيز عطاالله حداد في صحيفة "السفير": مرّت دعوة رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى «نسيان معزوفة التمديد» مرور الكرام. لم يعّلق أحد على تأكيده أن «لا تمديد للرئاسة، ولا لمجلس النواب ولا لأي مؤسسة أخرى». وإذا كان ما صرّح به سليمان يفترض أن يكون بديهياً انطلاقاً من احترام الدستور والقوانين اللبنانية، وصولا إلى مجاراة المناخ العربي الراهن، إلا أن الصالونات السياسية توقفت عند توقيت هذا الكلام ودلالاته وانعكاسه على أداء الرئاسة وسلوكه في ما تبقى من ولايته.
يعتبر مصدر مقرب من رئاسة الجمهورية «أن هذا الكلام الصادر عن سليمان ليس الأول من نوعه. فهو منذ لحظة انتخابه، أعلن صراحة في خطاب القسم أن سمة الديموقراطية الأساسية تداول السلطة. وقد اختار هذا التوقيت تحديدا ليؤكد لكل من يحاول الاصطياد في الماء العكر وترويج الشائعات حول خلفيات بعض المواقف للرئيس سليمان بأنه مخطئ في العنوان والاستهداف».
يضيف: «يسعى بعض السياسيين إلى الترويج أن تمسك رئيس الجمهورية بصلاحياته كما بالقوانين والآليات التي تفرضها في كل الملفات المطروحة إنما يأتي في سياق إحكام قبضته على مفاصل مهمة في الدولة اللبنانية، سواء بالتعيينات أو بالتوظيفات أو بتكريس التحالفات. وان ذلك يتم على خلفية تحضير «البنى التحتية» لتجديد الولاية أو أقله تمديدها. جاء موقف الرئيس القديم – الجديد في هذا التوقيت لإسكات كل المصطادين في الماء العكر: لا للتمديد ولا لأي تجديد لا على مستوى رئاسة الجمهورية ولا في أي مؤسسات أخرى».
ويتابع «يريد رئيس الجمهورية أن يعيد تكريس ريادة لبنان في الأداء الديموقراطي في زمن تحاول الدول العربية أن تتلمس طريقها إلى الديموقراطية وتداول السلطة».
لكن كيف سينعكس إعلان سليمان على ما تبقى من ولايته؟
يجيب أحد العارفين بـ«النيات» الرئاسية أن «كلام رئيس الجمهورية يحرره من أي محاولات لوضع مواقفه في خانة الحسابات الشخصية. وهو بالتالي سيحتكم إلى القوانين والأعراف والتقاليد السياسية اللبنانية الراسخة وسيزداد تمسكه بها لما تبقى من ولايته. فإذا كان بعضهم رأى في مواقف الرئيس التسووية في محطات سابقة انحيازاً مرة لهذا الفريق وأخرى لفريق آخر؛ وإذا كان بعضهم رأى في خطوات «احتوائية» تنازلا معيناً من الرئيس إلا أن الجميع سيكتشفون مجددا مدى إصراره وتمسكه بتطبيق القوانين وتسيير شؤون الدولة وتحصين الأوضاع الداخلية».
ويضيف أن سليمان «أحد قلة من الرؤساء الذين أعلنوا قبل نحو سنتين من انتهاء ولايتهم عن قرارهم باحترام الدستور بعدم التمديد. وهو من قلة من الرؤساء الذين استطاعوا تجاوز معظم ولايتهم من دون أن ينحازوا الى جهة في الانقسام اللبناني التاريخي الذي له في كل عهد تلاوين وتسميات مختلفة. وحتى في علاقته مع الكنيسة، خالف معظم الرؤساء الموارنة الذين يبدأون عهودهم بمحاولة انتزاع الزعامة من بكركي وينهونها في محاولة العودة إلى تحت عباءتها. فهو حافظ على أفضل العلاقات سواء مع البطريرك نصر الله صفير أو اليوم مع صديقه البطريرك بشاره الراعي. وبالتالي يصل الرئيس إلى مشارف نهاية ولايته وهو مرتاح الى نجاحه حيث فشل كثيرون قبله، وتحديدا في محاولة استعادة دور رئاسة الجمهورية الوسطي الذي يجمع بين اللبنانيين ويبلور نقاطهم وجوامعهم المشتركة».
وعن كيفية إدارة ما تبقى من فترة ولايته والأولويات التي ستحكمها، يقول مصدر مطلع «سيكمل الرئيس ما بدأه لجهة ترسيخ مفهوم الدولة ودور مؤسساتها. وهو متمسك بمبدأ الحوار بين اللبنانيين لأنه السبيل الوحيد لتحصين استقرارهم الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. وسيبقى حتى اللحظة الأخيرة من ولايته يحاول تكريس أسس ثابتة للحوار وأطر يلتقي ضمنها المختلفون. ولا نكشف سرا إن قلنا إن الرئيس يتحين الفرصة السياسية المناسبة لإعادة إطلاق عجلة الحوار الداخلي. فلا سبيل لتحييد لبنان عن كل التداعيات السلبية للتطورات في المنطقة سوى بتلاقي اللبنانيين للاتفاق على ما يجمعهم والتوافق على كيفية معالجة ما يختلفون عليه. كما سيحرص الرئيس على تعزيز صلاحيات الرئاسة سواء بتكريس ممارسة تستند إلى روح الدستور أو عبر نقاش سيقتنع معه اللبنانيون ان لا بد من تعديلات على صلاحيات هذا الموقع الحساس في التركيبة اللبنانية».
ويحرص المصدر على الإشارة الى ان «سليمان كما حرص على التوضيح ان لا تجديد لولايته، اكد ايضا ان لا تمديد لمجلس النواب. وهو بذلك كرس مسبقا الالتزام بموعد الانتخابات النيابية التي سيحرص على إتمامها في مواعيدها الدستورية باحترام كامل ليس فقط لتداول السلطة والديموقراطية، انما ايضا للحياد والرعاية المتساوية لجميع المرشحين على كل الاراضي اللبنانية».
بكّر سليمان في حسم عدم رغبته بالتجديد. قد يكون أراد استباق الريح فأقفل الباب قبل هبوبها. وقد يكون شاء ان يقفل بابا آخر على حسابات الربح والخسارة في أكثر من مجال. لكن الاكيد ان «قراره نهائي وليس من باب المزايدة. وهو لا ينتظر ان يحج اليه نواب ليرجوه التجديد ولا ان يتظاهر ضده آخرون يطالبونه بالرحيل»، كما يشير أحد عارفيه، مضيفا «سيخرج الرئيس من قصر بعبدا كما دخله محاطا بما يشبه الإجماع انه أدى وظيفته على أتم وجه بقدر ما سمحت الظروف والتعقيدات».
على أي حال، سنتان متبقيتان من عمر الرئاسة في لبنان.. «وهذه الفترة قد تكون حبلى بالمفاجآت كما بالتحديات» يقول أحد من عايشوا أكثر من تجربة رئاسية.