#dfp #adsense

“الجمهورية”: هل ستُنشئ تركيا “المنطقة العازلة” مع سوريا الآن؟

حجم الخط

كتب علي حسين باكير في صحيفة "الجمهورية": تشهد تركيا اليوم جدلاً واسعاً، بعد التصريحات التي وردت أخيراً على لسان رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان، في شأن البحث جدّياً في إقامة منطقة آمنة أو عازلة على الحدود مع سوريا، ولا سيّما أنّ ذلك ترافق مع موجة لجوء جديدة للسوريّين الفارّين من القرى والمدن التي يدكّها النظام باتّجاه الحدود التركية ولا سيّما من إدلب التي تدفّق منها ما يقرب الألف سوريّ إلى تركيا في يوم واحد.

غذّت مؤشّرات عدّة برزت أخيراً على الساحة الإقليمية والدولية الاعتقاد بأنّ نوعاً من التدخّل العسكري قيد التحضير لإنشاء المنطقة الآمنة أو العازلة على الحدود مع سوريا، ومنها توقّع فشل مهمّة المبعوث الخاص المشترك للأمم المتّحدة وجامعة الدول العربية كوفي أنان التي أرسِل فيها إلى سوريا، مع وجود تقارير تؤكّد نيّة الرئيس بشّار الأسد استغلال أيّ مبادرات سياسية من أجل القضاء على معاقل الثورة كما فعل سابقاً.

وعزّز قرار دول مجلس التعاون الخليجي بإقفال سفاراتها الموجودة في سوريا، في إطار الضغط المتصاعد على النظام ورفض التمادي في أعمال القتل كما قال بيان مجلس التعاون الخليجي، هذا التصوّر، خصوصاً أنّه ترافق أيضا مع قرار مماثل من تركيا التي نصحت وزارة الخارجية فيها المواطنين الأتراك المقيمين في سوريا بالعودة سريعاً إلى الوطن نظراً إلى المخاطر الأمنية الجادّة، معلنةً أنّ الشعبة القنصلية في السفارة ستوقف خدماتها اعتباراً من الخامسة مساء الخميس 22/3/2012.

وقد رفض الحزب الجمهوري كبرى الأحزاب التركية المعارضة، أيّ انخراط تركيّ عسكري في سوريا، وأعلن أنّ قوى إمبرياليّة تضغط، على ما يبدو، على تركيا للتدخّل في سوريا، بينما تبقى هي في منأى عن المشاكل.

ويرى المحلّل التركي بولنت كينيش أنّ ما يحصل في سوريا لا يمكن السكوت عنه، وأنّ تدخّلاً يجب أن يتمّ لإنقاذ الشعب السوري، ساخراً من زعيم المعارضة بقوله ما البديل الذي يقدّمه كمال كيليتشداروغلو؟ هل يجب علينا أن ننظّم زيارات تضامن مع النظام السوريّ مثلا؟ في إشارة إلى زيارات التي قامت بها المعارضة التركيّة أخيراً. لافتاً إلى أنّه إذا جاء اليوم الذي يحكم في تركيا مثل نظام الأسد ويرتكب بالشعب التركي ما يرتكبه الأسد بالشعب السوري، فيجب على المجتمع الدولي التدخّل وإقامة منطقة عازلة في تركيا.

على المستوى الرسمي، لا يبدو أنّ هناك مؤشّرات جدّية على قرب حصول مثل هذا التدخّل من تركيا على الأرض، على رغم أنّ بعض المحلّلين الأتراك يتوقّع قرب حدوث ذلك، وفي غضون انعقاد قمّة أصدقاء سوريا المقرّر عقدها في تركيا في نيسان المقبل.

وعندما توجّهت بسؤال إلى وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو أثناء الاجتماع الذي ضمّه ووزير الخارجية المغربي أمس الأوّل عن الموضوع، جاء ردّ الوزير شبه تقليدي، حيث اعتبر أنّ تركيا لن تتهرّب من مسؤوليتها في مساعدة الشعب السوري وستفتح كلّ أبوابها لاستقباله ولا سيّما أنّ صورة المشهد العام بدأت تسوء أكثر فأكثر، وازداد عدد اللاجئين خلال الأسبوعين الأخيرين، مشدّداً على أنّ تركيا لن تسكت إزاء المآسي التي يعانيها الشعب السوري الشقيق، وأنّ هناك حراكاً ديبلوماسيّاً شديداً للضغط على المجتمع الدولي لاتّخاذ تدابير جماعية وليست فرديّة إزاء الوضع في سوريا.

وانتقد أوغلو بشكل غير مباشر الدول التي استخدمت حقّ النقض الفيتو، قائلاً إنّها لا تتحمّل المسؤولية وإنّ عليها أن تضع نفسها مكان الدول التي يتدفّق إليها اللاجئون السوريّون ومكان الشعب السوري. وختم قائلا: "نعمل بجهد مع الجامعة العربية لتحريك المجتمع الدولي، ونأمل من خلال مسيرة ديبلوماسيّة مكثّفة الوصول إلى نتيجة قبل فكرة إنشاء ممرّات لنتمكّن من أخذ قرار حازم، إذ سنفكّر في كلّ الاحتمالات عندما يتعلّق الأمر بالأمن القومي التركي".

ويقول مصدر مطلّع إنّ التدخّل العسكري ليس من تقاليد السياسة الخارجية التركية ولا سيّما منذ مجيء حزب "العدالة والتنمية" واعتماد سياسة تصفير المشاكل، وإنّه لا زالت هناك بعض الدوائر التركيّة التي تعارض التدخّل العسكري أو إنشاء منطقة آمنة أو عازلة على اعتبار أنّ ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام اندلاع حرب مع سوريا، وربّما بلدان أخرى في المنطقة.

كما أنّ هناك تخوّفاً لدى بعض الأوساط من أن ينعكس أيّ نوع من أنواع التدخّل العسكري في سوريا على صورة تركيا في المنطقة وعلى نظرة شريحة واسعة من العرب تجاهها، وهو ما من شأنه، إنْ حصل، أن يقوّض من سياساتها ويدفعها لتخسر الرصيد الذي بنت عليه منذ عقد، ناهيك عمّن يناقش عمق الفجوة الموجودة بين قدرات تركيا الحقيقيّة وما تريد فعله على أرض الواقع في هذه الحالة، أي في حالة التدخّل العسكري.

وفيما توافق شريحة من الأتراك على التدخّل السريع لإنقاذ الشعب السوريّ بعد فشل كلّ المحاولات الديبلوماسية واستنفاد كلّ المبادرات السياسية، يرى البعض الآخر أنّه يجب التريُّث والحصول على أكبر قدر ممكن من الإجماع الدولي قبل الشروع في هكذا عملية، على اعتبار أنّ تداعياتها قد تكون أكبر من أن تستطيع دولة واحدة تحمّلها لوحدها.

وأيّاً كانت القرارات التي ستُتَّخذ في هذا الشان، فعلينا الانتظار حتى اجتماع مؤتمر أصدقاء سوريا في تركيا في الثاني من الشهر المقبل، على اعتبار أنّه سيكون بالإمكان حينها التأكّد من طبيعة القرارات، وهل الأمر يتعلق باتّخاذ قرارات ذات مستوى عالٍ يرقى لما يحصل فعلاً على الأرض في سوريا وما يتعرّض له الشعب السوريّ، أم أنّنا سنبقى ندور في دوّامة التصريحات، في الوقت الذي يعمل فيه حلفاء النظام السوري بشكل متواصل على دعمه بكلّ الوسائل الممكنة للحيلولة دون سقوط متوقّع ينعكس بشكل دراماتيكي على موقعهم في المنطقة؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل