"حقيقة" وحيدة يعترف بها "وزير الطاقة وكل الطاقات" جبران باسيل للبنانيين، وهي أنه "لم يفهم على رئيس الحكومة ماذا يريد"! وزير عوني ثالث في لعبة الدومينو يسقط في سياسة "النأي عن الفهم".. فمن يفهم ماذا يريد جبران باسيل، ومن يفهم لمَ لا يفهم وزراء الحكومة على بعضهم البعض؟ غريبة معادلات هذه الحكومة المجتمعة على "اللافهم" والمتّفقة على "اللاتناغم" والمتجانسة في "اللاتآلف".. وعلى الرغم من كل هذه التناقضات تدوم وتدوم وتدوم.. وحده المواطن اللبناني لا يفهم ولا يتفهّم!
فجبران باسيل، "دون كيشوت" التيار "العوني" المصلح والمغيّر والمتغيّر دوما، يظهر بمظهر الشخصية العفيفة البريئة المغامرة والحالمة، يصارع وحده في مجتمع لا يتلقّف أفكاره التي تتبخر في بواخر كهربائية.. وبين حماسته لإضفاء جوّ صيفيّ واعد بالعتمة والظلام والظلم، وتصريحاته التي تنم عن ضياع تامّ لطموحاته التي باتت توازي كل أعمدة التوتر العالي في لبنان.. "ضاعت الطاسة" ودبّت الفوضى وتعرّت العلاقة بينه وبين رئيس الحكومة معيدة بواخر باسيل الى مرحلة الصفر حيث تراوح الأسطورة الباسيلية موقعها مع تصميم على الفشل.
لا عجب في ذلك، فـ "دون كيشوت" الإسباني ورغم طموحه الكبير لاستعادة القيم البالية في مجتمعه، فإن فشله في تحقيق أسطورته الشخصية برهن عن انقطاع في التواصل يجاري العصر. وكذلك يتّبع "دون كيشوت" اللبناني السياسة نفسها في إطلاق تصريحات تبشّر اللبنانيين بأنه "يغنّي على ليلاه" فتصدر عن خططه قرارات لاعقلانية، يوافق عليها أعضاء الحكومة ثم ما يلبثون أن يبدوا تحفظا لأسباب مجهولة لا يفهمها باسيل نفسه.
لأسباب باسيلية خاصة "هشّل" جبران الصناديق العربية ويعمل اليوم على تهديد اللبنانيين ويخيفهم بالعتمة التي يسهل فيها تمرير الصفقات المريبة والاتفاقات التي تعيث فسادا بالوطن. ولأسبابه الخاصة أيضا يفرض الظلام على اللبنانيين ويبشرهم بصيف حار وبتقنين 12 ساعة ونصف يوميا.. أقلّه. كل هذا، وقبطان باخرة التيار وقرصانها متمسك بالمقود ويستعجل إقرار موجتها الكهربائية لغاية في نفس باسيل في ظل حوار مقوّض! "
"الله يجبر بخاطر" جبران وطوبى للإنسان الذي يجد الحكمة، وللرجل الذي ينال الفهم.. وهو للأسف لم يجد الفهم ولم يصادف الحكمة! فلمَ يحتاج الوصيّ على الطاقة إذاً؟ الوزير، الذي لم يجد حتى اليوم طاقةً أو نافذة ينفث فيها حمم بركانه، يحتاج الى مدرّس خصوصي وخياط ماهر وقانوني متمرس في الفقه العوني ومنجم مغربي. لغوياً، مطلوب من المدرس شرح مواقف كل من الوزير ورئيس حكومته. وللخياط توكل مهمة فكفكة العقد وقراءة ما هو مبطّن، وعلى القانوني أن يشرّح الخطط الكهربائية التي تتأرجح بين مدّ وجزر في بحر البواخر، وتبقى المهمة الأصعب على "المنجم المغربي" الذي يستند على مهارته التي تتلطى ما وراء الطبيعة البشرية لكشف نوايا وغايات وما يريده هذا وما لا يريده ذاك.
لكن جبران باسيل، الطالب المتفوق في مدرسة حماه ورئيس تياره، يستبق الأمور دائما فينفي الحاجة الى الدراسات بأنواعها كافة. فكلفة المشروع "وفّيرة" وقد أنجز بنفسه الدروس وأتمّ الفروض مستعينا باستشاري دولي لدراسة العروض، مخيّرا المواطن بين إنتاج كهرباء أو إطفاء "موتورات" الدولة.. أما المواطن فواقع الصورة ربما لم يتضح بعد في عيونه، ولم تتلق أذناه سوى أحاديث المناكفات والمزايدات، ولم يتمتع أنفه إلا بروائح المازوت الأحمر.. ومن الآخر، وجود البواخر لن يؤثر في إنتاج الطاقة ولن يقلل من ساعات التقنين، لأن عملها سيتركز على "الإصلاح" في المعامل ونتائجها غير أكيدة نظرا الى كلفتها المصممة على القياس العوني!
فَهِم جبران باسيل أم لم يفهم، هي ليست مشكلة المواطن اللبناني وليس ذنبه أن يعاقب لأسباب خاصة وشخصية تتعلق بوزير كل الطاقات المفقودة. قَبِل جبران باسيل أم رفض، فاللبنانيون مشمئزون من التفافاته وتركيباته. رضيَ أم لم يرضَ، فقد سئم اللبنانيون أيضا من اتهاماته وفبركاته ومحاولاته الظهور بمظهر من أكل الهرّ عشاءه.. أمر واحد يعزي المواطن في وطن تمارس حكومته قواعد لعبة الـ telephone casse الفرنسية أو "الهاتف المكسور" في ترجمتها الحرفية الى اللغة العربية، ومفادها ان كل لاعب أو مشارك يفهم ما يشاء ممن يشاء أو يحوّر ما يسمعه على الطريقة التي تناسبه. فاللبناني يعدّ الوزراء: شربل نحاس لم يفهم فطُرد خارج اللعبة، فادي عبود لم يفهم أيضا على وزير الحكومة ففار دمه ثم سكت، واليوم دور جبران باسيل الذي يمسك بالهاتف المكسور ويعلن صراحة ضياعه متشبها بالمسلسل الأميركي الشهير lost مع فارق بسيط هو أنه لم يقع من الطائرة إنما نزل من المظلة ليحطّ في باخرة في عُرض البحر. ومن باب الفشل في إصلاح وزارة الطاقة والمياه، لم يبقَ أمامه سوى عنصر آخر من الطاقات المتجددة وهي محاولة إنتاج الطاقة من محاربة طواحين الهواء.
