كتب عامر مشموشي في "اللواء": بينما تتفاعل فضيحة اللحوم الفاسدة، تزداد هواجس شريحة واسعة من اللبنانيين في ظل غياب الجدّية عند أهل السلطة بوضع خطة عملية ومدروسة تحمي المواطنين، وتوفّر لهم الأمن الغذائي على أقلّه، وتُعاقب هؤلاء الذين يتلاعبون بالأمن الغذائي علناً وتُنزل بهم العقاب الذي يستحقونه.
ويخشى المواطنون من أن يُقدم بعض أركان السلطة على لفلفة هذه القضية المسمومة، وإخراجها من التداول بسحر ساحر خصوصاً أن كواليس التحقيقات غير المعلنة تؤكد أن السير في هذا الملف إلى النهاية، سيؤدي إلى الإطاحة بكبار الأسماء من المؤسسات التجارية التي دفعها الجشع وغياب رقابة الدولة إلى تحقيق الأرباح الفاحشة على حساب صحة المواطن، إلى التواطؤ المشبوه مع تجار السموم من اللحوم الفاسدة إلى كل أنواع المأكولات المستوردة من الخارج، ولا سيّما منها المعلّبات التي يلجأ تجار السموم إلى تزوير تواريخها.
وسط هذه الأجواء ما زالت الحكومة تعيش حالة انقسام حاد، حول أكثر من ملف خلافي بين أركانها، وفي مقدمها يأتي ملف بواخر الكهرباء حيث كشف رئيس الحكومة عن وجود هوّة سحيقة بينه وبين وزير الطاقة جبران باسيل حول اكتشافه بعد سلسلة اتصالات قام بها الفارق الكبير بين الكلفة التقديرية التي وضعها الوزير باسيل لاستجرار الطاقة بواسطة الشركة التركية التي رسا الالتزام عليها وبين الكلفة الحقيقية، وقد قدّر الفارق بين الاثنين بما لا يقل عن الأربعماية مليون دولار أميركي في السنة الواحدة، ما حمله على رفض الصفقة التي وضعها وزير الطاقة واتهامه ضمناً بالتواطؤ مع الشركة التركية.
ولم يعجب موقف رئيس الحكومة من الصفقة التي يقف وراءها ويدعمها الوزير باسيل، رئيس "التيار الوطني الحر" ميشال عون فأطلق العنان للسانه ضد رئيس الحكومة وصولاً إلى درجة تهديده بحساب عسير إذا لم يعد عن رفضه مشروع صهره لاستجرار الطاقة بواسطة البواخر.
والأمر نفسه ينسحب على ملف التعيينات التي يصرّ عون على أن يستأثر بالمراكز المسيحية من منطلق أن تياره يمثّل المسيحيين والموارنة تحديداً في الحكومة، ومن حقه إذن أن يستأثر بكل المراكز المسيحية، والقيادية تحديداً في الإدارات الرسمية، فضلاً عن الخلاف المستحكم بين العماد عون والرؤساء الثلاثة حول ملف الإنفاق من خارج الموازنة منذ العام 2006 وحتى تاريخه، وإصرار العماد عون على رفض تسوية الدمج المقترحة من قبل الرؤساء الثلاثة وإصراره على إقرار مشروع القانون المتعلق بقوننة الـ 8900 مليار ليرة الذي أنفقته حكومة ميقاتي في العام الماضي، ومحاكمة الحكومات السابقة على الإنفاق من خارج الموازنة في ظل عدم وجود حسابات لها كما يدّعي، خلافاً للواقع، علماً بأن التسوية المقترحة لهذا الملف تمر عبر الأطر القانونية التي تؤدي الغاية في هذه المسألة على الصعيد الداخلي، ومن دون أن يعني ذلك التوصل الى تسوية عشوائية كما يدّعي العماد، ومن دون أن يؤدي بطبيعة الحال الى زعزعة الحكومة وتعطيل عملها وإنتاجيتها مجدداً.
إلا أن مصادر المعارضة، ما زالت ترى بأن تصلّب عون في مواقفه المعرقلة للحكومة له حدود مرسومة، لا يفرّط بها جنرال الرابية، ولا يستطيع في نفس الوقت تجاوزها، لأنها تتعلق بمصير الحكومة، وهو محكوم بعدم الذهاب في معارضته للرئيس ميقاتي إلى حد حمله على تقديم استقالته أو حمل الحكومة على الاستقالة، لأن خطة الأكثرية الضائعة اليوم والتي هو أحد أركانها حريصة على بقاء هذه الحكومة إلى الانتخابات النيابية بناء لحسابات هذه الأكثرية وعلى رأسها حزب الله ومعه بطبيعة الحال النائب عون والتي تبني على الوضع في سوريا ومصير نظام بشار الأسد، حتى إذا زال هذا النظام قبل حلول موعد الانتخابات النيابية تكون الحكومة الحالية جاهزة لتأجيل هذه الانتخابات، أما إذا كانت استقالت وخلفتها حكومة أخرى ليس لها فيها أكثرية أو حتى إذا ظلت حكومة تصريف أعمال تفقد حق تأجيل الانتخابات النيابية، ذلك لأن حسابات حزب الله وعون مبنية على الفوز بالأكثرية النيابية في الانتخابات المقبلة في حال لم يسقط النظام السوري، وعلى فقدان هذه الأكثرية في حال ذهب النظام السوري الحالي، وقام نظام جديد متعاطف أو مؤيّد لقوى الرابع عشر من آذار التي فازت في الانتخابات السابقة بالأكثرية رغم نفوذ نظام الأسد وتأثيره الكبير على شريحة واسعة من اللبنانيين.
وفي سياق متصل كان لافتاً كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عن إصراره على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها بصرف النظر عن أي اعتبار، وقد جاءت هذه التأكيدات في عدة أحاديث أدلى بها رئيس الجمهورية في الأسبوعين الماضيين من دون أن يكون هذا الموضوع مطروحا على النقاش، الأمر الذي حمل البعض على تفسيره بأنه رداً على ما يُحكى في الكواليس عن وجود خطة لدى قوى الثامن من آذار ترمي الى تأجيل الانتخابات في حال تغيّر النظام السوري قبل حلول موعدها، لأنها تخشى من عدم حصولها على الأكثرية النيابية المفترضة لكي تستمر في الإمساك بالحكم للمرحلة المقبلة.
ويلتقي موقف رئيس الجمهورية مع تلميحات السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فليتمان في مناسبة احتفال لقوى الرابع عشر من آذار أقيم مؤخراً في الولايات المتحدة الأميركية ونشرت بعض الصحف اللبنانية والعربية تصريحاته التي تشير صراحة إلى فوز قوى الرابع عشر من آذار بالأكثرية النيابية من منطلق تأكيده بأن النظام السوري الحالي لن يكون موجوداً عندما يأتي موعد هذه الانتخابات، كما يلتقي مع حسابات دقيقة جرت في الآونة الأخيرة وتشير إلى تراجع شعبية العماد ميشال عون داخل الصف المسيحي بنسب تتراوح بين عشرة وخمسة عشرة بالمئة عمّا كانت عليه في الانتخابات النيابية السابقة.
وفي كل الأحوال فإنه لا يزال من المبكر الحسم في هذا الأمر على اعتبار أنه لا يزال موعد الانتخابات متأخراً، وما زالت صورة الوضع في المنطقة، وفي سوريا تحديداً غامضة.