كتب صلاح سلام في "اللواء": من أزمة المواد الغذائية الفاسدة، إلى الخلافات الحكومية المستمرة، إلى الاهتزازات الأمنية المتنقلة بين الجنوب والبقاع والشمال… إلى حالة الترقب والحذر من تداعيات الوضع السوري على الاستقرار الداخلي، كلها تحديات، وغيرها كثير، تُهدّد فعالية الحكومة الميقاتية، وتُعيد طرح علامات الاستفهام حول قدرتها على الاستمرار على هذا الحبل المشدود، بين موقعي التأزم الداخلي والإقليمي.
مكونات الحكومة أنفسهم فقدوا الثقة ببعضهم، وأصبحت الانتقادات المتبادلة بينهم أشد قساوة وأكثر مرارة، من هجمات المعارضة على الحكومة وبعض الوزراء المدللين من كتلهم السياسية!.
التعيينات الإدارية ما زالت في عالم الغيب بسبب العناد المتحكم بمواقف طرف أساسي في الحكومة، والذي يُريد أن يُهيمن على الحصة المسيحية من التعيينات، ولو على أنقاض الأصول القانونية والتوازنات السياسية المعهودة!.
الموازنة العامة، المشاريع الحيوية، والخدماتية الضرورية، وفي مقدمتها خطة تأمين الكهرباء، ما زالت معطلة، تحت ضغط محاولات التفرّد بالقرار، والاستئثار بالسلطة، من بعض أطراف الحكومة الذين لا يراعون حرمة لدستور، ويسعون لتجاوز صلاحيات رئيس الحكومة على المكشوف!.
يُضاف إلى كل ذلك تفاقم الانقسام الداخلي حيال الانتفاضة الشعبية في سوريا، وتزايد عدد النازحين من الأخوة السوريين إلى المناطق الحدودية اللبنانية، هرباً من جحيم المعارك المحتدمة في الداخل السوري.
ومع تعثّر محاولات الحل السياسي في سوريا، تتعثّر جهود تخفيف وطأة المواجهات الدموية السورية على الداخل اللبناني، حيث بدأت التظاهرات ضد النظام تنتشر في مختلف المناطق اللبنانية، ولم تعد محصورة حول مساجد طرابلس كما كان الحال في الأشهر السابقة، مما يعني أن مشاعر التفاعل والانفعال بالمجازر السورية إلى مزيد من التصعيد الذي قد يرخي بظلاله الثقيلة على الوضع اللبناني برمته.
هنا تبرز جملة تساؤلات تقضّ مضاجع الأكثرية الساحقة من اللبنانيين:
هل تصمد الحكومة الميقاتية أمام ما تتعرض له من ضغوط داخلية وخارجية؟.
هل يبقى لبنان بمنأى عن انعكاسات تعقيدات الأزمة السورية وامتداداتها الإقليمية والدولية؟.
… وهل يصمد الوطن الصغير باستقراره الهش أمام عواصف المنطقة، ويتصدّى للاستحقاقات المقبلة في مواعيدها الدستورية، وخاصة بالنسبة لإجراء الانتخابات النيابية في صيف العام المقبل؟.
لا نخال أن أحداً من القيادات السياسية يستطيع أن يقدّم جواباً حاسماً على أي من التساؤلات السابقة، نظراً للتداخل الحاصل بين الداخلي والخارجي من جهة، فضلاً عن حجم التشابك الدولي الحالي حول سوريا.
ولعل القراءة السياسية المتأنية لأوضاعنا الداخلية، ولما يجري حولنا، خاصة في سوريا، قد تساعدنا على تلمس مواطن الاطمئنان التي يجب تعزيزها، والعمل على تقويتها الى جانب تحديد مواقع القلق والحذر التي ينبغي الابتعاد عنها، وتجنّب الانزلاق إلى مهاويها.
بالنسبة للوضع الحكومي:
لا يبدو أن ثمة مصلحة لأحد من طرفي 8 و14 آذار في رحيل الحكومة الميقاتية، التي استطاع رئيسها أن يجمع بين التزامات التحالف مع 8 آذار، والعمل بإيقاع مدروس على تنفيذ خطوات سياسية وإدارية ومالية تنسجم مع توجهات فريق 14 آذار المعارض.
من سياسة النأي بلبنان من حماوة قرارات مجلس الأمن وجامعة الدول العربية ضد سوريا، إلى تخفيض سقف الالتزامات اللبنانية ضد العقوبات ضد دمشق بما لا يتعارض مع المصالح اللبنانية، إلى استمرار التواصل الدبلوماسي مع النظام السوري، من خلال السفير السوري في بيروت، وزميله اللبناني في دمشق، وعدم الذهاب لما قررته عواصم عربية وأوروبية بقطع العلاقات وسحب السفراء من العاصمة السورية، إلى السماح لمؤيدي النظام السوري بالتظاهر في مختلف المناطق اللبنانية… كلها خطوات تعبّر عن سياسة فريق 8 آذار وتوجهاته الداخلية والسورية.
أما بالنسبة للمعارضة، فقد اتخذ رئيس الحكومة من القرارات والمبادرات ما يشكّل عدّة نقاط التقاء مع المعارضة، انطلاقاً من قناعته بأن تلك التوجهات والمبادرات تؤدي في النهاية إلى حماية الوضع اللبناني من اهتزازات أوضاع المنطقة، وتُجنيب الاقتصاد اللبناني الضعيف من مغبة الوقوع في حبال العقوبات الدولية.
وفي هذا السياق بالذات، يمكن وضع قرار سداد حصة لبنان في المحكمة الدولية، ثم قرار التمديد لبروتوكول التعاون، والتشديد في تطبيق العقوبات المصرفية على دمشق، والابتعاد قدر الإمكان عن الموقف الرسمي السوري، إلى جانب الدفاع عن موقع رئاسة الحكومة وخوض معركة إخراج الوزير شربل نحاس من الحكومة بعد تمرده على قرارات مجلس الوزراء، فضلاً عن الاتجاه إلى معالجة ملفات الإنفاق المالي من خارج الميزانية بشكل متواز وشامل، والتصدي إلى محاولات فرض الامر الواقع على مجلس الوزراء ورئيس الحكومة.
على ضوء كل المعطيات السابقة، يمكن القول أن لا مصلحة للموالاة ولا للمعارضة بترحيل الحكومة الحالية، لإدراك كل فريق، صعوبة، بل استحالة تشكيل حكومة جديدة في ظل التوازن السياسي الحالي الهش، والذي تتراوح مؤشرات الأكثرية فيه حسب مراوحة النائب وليد جنبلاط بين 8 و14 آذار!.
هل يبقى لبنان بمنأى عن تداعيات الأزمة السورية؟.
ثمة ظاهرة غريبة عند بعض الأطراف السياسية والحزبية التي تحاول الترويج ليل نهار، لتهديدات امتداد النار السورية إلى الداخل اللبناني، وكأنها تريد زج البلاد والعباد عنوة في أتون الأزمة السورية.
وما زالت هذه الأطراف تتصرف وكأن لبنان ما زال هو الساحة الوحيدة لتصفية معارك الكبار على أرضه، كما حصل في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، متناسبة، بل متجاهلة عن سابق تعمد وإصرار بأن الساحة انتقلت حالياً إلى الشقيقة سوريا، وأن ما يجري في الداخل السوري لم يعد مجرّد أزمة داخلية بين النظام ومعارضيه، بقدر ما تحوّلت عبر التدخلات الإقليمية والدولية إلى مواجهة غير مباشرة بين أميركا وأوروبا وحلفائهم من جهة، وروسيا والصين وإيران من جهة ثانية، وكأننا أمام مشهد جديد من مشاهد الحرب الباردة بين الشرق والغرب، قبل سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه في تسعينات القرن المنصرم.
إذاً الساحة انتقلت إلى بلد آخر، فلماذا هذا الإصرار على اتخاذ المواقف وتسخين الخطابات وكأن لبنان ما زال هو الساحة، أو يجب أن يبقى هو ساحة تصفية خلافات الآخرين على أرضه… ضاربين عرض الحائط بأبسط التزامات الحفاظ على الأمن، والسلم الأهلي، والاستقرار، على ما هم عليه من هشاشة وكثرة اهتزاز!.
لا بدّ من التأكيد أن التوافق الداخلي على الحفاظ على الاستقرار الحالي، ولو في أدنى مستوياته، من شأنه أن يجنّب البلد محنة الوقوع في دوّامة حروب داخلية وإقليمية لا تُبقي ولا تذر، فضلاً عن ضياع فرصة الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وبالتالي الحفاظ على تماسك البلد دولة وشعباً ومؤسسات. وإلا فالبديل أصبح جاهزاً، وهو يطل بوجهه التقسيمي البشع متخفياً بقناع الفيدرالية.
ولا نعتقد أن بين اللبنانيين من يتردد في الاختيار بين العيش المشترك والاستقرار والازدهار، وبين ويلات التقسيم والفتن الداخلية، والفدرلة التي تُهدّد أوضاع المنطقة بأسوأ العواقب.
أما الانتخابات النيابية فلها حديث آخر، عندما نتأكد أن بلد الربيع الأوّل في دنيا العرب استطاع أن يربح رهان الوحدة والاستقرار.