في الحساب الأخير والناشف، لا يفاجئ كثيرين كلام النائب محمد رعد عن قوى 14 آذار و"خناجرها" المشكوكة في ظهور الممانعين! حتى وان كان البعض يفترض ان تلك القوى كانت تنتظر (أو تستحق) التفاتة محترمة ومهيبة ومختلفة من الجانب الآخر رداً على خطابها التوحيدي وليس التفتيتي، والالتقائي وليس التنابذي، والتسووي وليس الرفضي، والدولتي وليس الكانتوني!
والحال، ان السيبة راكبة كما يفترض، وليس بالمقلوب: 14 آذار تفترض وفق حسابات صحيحة مبدئياًَ وتفصيلياً وعملياً، أنها قوية اليوم وستكون أقوى غداً. وأن محاصرتها والانقلاب عليها تشريعياً وحكومياً، ومطاردتها بلغة الخشب والكلس والشحتار والاتهامات والافتراءات، والعمل على محاولة إلباسها أثواب شياطين الفساد وتبخيس وتنكيس عملها المؤسساتي ونهجها الملازم لمقومات الجمهورية ودستورها وقوانينها وأساليب عيش أهلها.. ان كل ذلك ما نفع كثيراً في تكسير عمودها وإحراق بيرقها وإغراق مركبها، ولا في إقصائها وتوزيع التركة على الاقتصائيين والانقلابيين، كما لم ينفع سابقاً، مع اعتماد (وتنفيذ!) لغة أمرّ وأقسى من لغة "الخناجر" والطعن في الظهر، في ثنيها عن استراتيجيتها الأولى القائلة بمشروع الدولة الواحدة بكل معانيها العسكرية والأمنية والدستورية والاجتماعية، وبنهائية الكيان الوطني القائم بذاته ولِذاته، وليس كمشروع مفتوح للاستثمار في خانة سلطة الأسد القريبة وامبراطورية طهران البعيدة؟
صحيح بمعنى ما، ان 14 آذار ارتكزت في الأشهر الماضية على جملة حيثيات وعوامل ليست من صنعها بل من صنع أخصامها من جهة.. وعلى رضى ربّ العالمين على أهلها من جهة ثانية. لكن الصحيح أكثر هو أن قواها قدّمت اداء عاماً في حالتي السلطة والمعارضة، أرفع مستوى بكثير من أداء الانقلابيين والممانعين من أصحاب السيد محمد رعد، وأثبتت، بشكل ما، انها تشبه لبنان بتركيبته وأفراحه وأتراحه وحسناته وسيئاته، فيما أخصامها، رغم عدّتهم وخطابهم ونفَسِهم الهجومي والإلغائي كانوا تركيبة هجينة تشبه أوصياءها خارج الحدود أكثر من أي شيء آخر: تَطرح أثقالاً كبيرة من طراز ممانعة ومواجهة "المشاريع الاميركية والاسرائيلية" في المنطقة، لكنها لا تثبت أي قدرة أو جدارة في مواجهة أثقال النظم الحديثة ومتطلبات شعوبها، ولا أثقال وأتعاب الربيع العربي، وتاجه الماسيّ المتمثل بالثورة السورية.
14 آذار تشعر انها مرّت في معموديات صعبة في معركة البقاء والاستمرار ونجحت في الامتحان.. وتشعر بعد ذلك ان الأسوأ صار خلفها، ولذلك قدّمت وتقدم من موقع مكين خطابها التسووي الى الطرف الآخر، وتصرّ على بديهيات ذلك الخطاب التي رافقتها منذ اللحظات الأولى لتشكّلها على أنقاض جمهورية المافيا الأمنية اللبنانية السورية المشتركة.
من الطبيعي بعد ذلك، لعارف ومطّلع فعلياً على الذي جرى ويجري محلياً واقليمياً مثل النائب رعد، أن يعود الى اعتماد "اللغة الاولى" الخاصة بالتخوين ومشتقاته تبعاً لاعتماد نسق المكابرة إيّاه، الرافض راهناً الإقرار بأن مشاريع الغلبة كانت وهماً خالصاً، وأن قلاع الممانعة الأسدية مبنية على رمال متحركة، وان لبنان هذا أكبر بكثير من أي مشاريع امبراطورية، وأن التجنّي والافتراء والسلبطة واخواتها لا تستقيم مع موجبات الحق والعدل المنصوص عنها في كل الشرائع والرسالات!
لم يفاجئني كلام النائب رعد.. أتفاجأ إذا سمعت العكس، وحينها أتيقن مع غيري، اننا بدأنا الخروج من ورطة أزمة لها أول وليس لها آخر!.