لأنك صاحب الغبطة وعلى درب النيافة،
ولأنك من نِعَمِ الروح القدس التي حلّت علينا،
ولأنك رأس الكنيسة التي إليها ننتمي وبها نفخر وعند أبوابها ننحني،
ولأنك أبينا وبعباءتك نستظلّ ونحتمي،
ولأنك الراعي، والرعية صالحة بصلاح راعيها،
ولأنك المُنتَخَب من قبل أصحاب السيادة الأفاضل،
ولأنك بطريركنا، وبكركي مرجعيتنا وملجأنا ومفخرة تاريخنا،
ولأنك ترفع "الشركة والمحبة" لواءً وعنواناً ورجاء،
ولأنك امتداداً للبطاركة الذين حفروا الجبال دفاعاً عن الأرض والوجود،
ولأنك عالي المقام ويعتلي جبينك ما هو مرصّع بالمجد والكرامة،
ولأنك من أحفاد مار يوحنا مارون وخلفاً لعظيم بطاركة هذا الشرق،
ولأنك توّليت الكرسي البطريركي برقم "السبعتَيْنْ" المُميّز،
ولأنك تحمل صليب المسيحيين على صدرك الرحب،
ولأنك أيضاً ترفع صليباً آخر فوق كتفَيْك وتمشي درب الجُلجلة،
ولأنك تُمسك بزمام عصا الهيبة والوقار،
ولأنك تنطق باسم المسيحيين وربما باسم اللبنانيين،
ولأنك نذرت نفسك للحق والحقيقة،
ولأنك المؤتمن على البلاد والعباد والطائفة معاً،
ولأنك تغرف من بئر الحكمة والروية والأصالة،
ولأنك إبن جبل لبنان النابض بالكرامة والعنفوان،
ولأنك إبن بلدةٍ أبهرتْ العالم بنور "رفقا"،
ولأنك إبن عائلةٍ ذاع صيتها بالتواضع والبرّ والإخلاص،
ولأنك عايشت لبنان في زمن السلم وتعرف زهوَ العيش فيه،
ولأنك عايشت لبنان في زمن الحرب وتعرف قسوتها ومآسيها،
ولأنك تشعر من دون شك "بأيامنا البائسة" كما وصفها الكاردينال صفير،
ولأنك كلّ ذلك يا صاحب الغبطة وأكثر، نحن نعوّل عليكم ونهتدي بكم ونرى فيكم المرجع والمقام، ونتطلّع إليكم كخشبة خلاص.
ولأننا عاجزون عن التحليل ونرفض التأويل،
ولأننا لا نؤمن إلاّ بالله والوطن والقضية،
ولأننا أقسمنا أن نحيا ونموت لأجل لبنان،
ولأننا أبناء مَن عُلّقَ على خشبةٍ في سبيل خلاص البشرية طالباً منا قول الحق، والحق يُحرّرنا،
ولأننا كذلك وأكثر يا صاحب الغبطة،
جئنا نقول الحقّ، كلّ الحق وهو ليس بوجهة نظر إنما قاطعٌ كحدّ السيف خاصةً وأننا في زمن الصوم المُبارك وعلى عتبة الجمعة العظيمة والقيامة المجيدة،
وللحقّ نشهد، أنه ليس صحيحاً يا صاحب الغبطة أن مَن احتلّ أرضنا لثلاثة عقود، وفتح لنا أقبية التعذيب وأبواب الجحيم، واغتال رئيسين للجمهورية، ورؤساء حكومات، وعدد كبير من النواب والوزراء، ورجال دين، وروّاد فكرٍ ومثقّفين، واعتقل قياديينا، ونكّل بشبابنا، وروّع أطفالنا، وحوّل بلداتنا إلى أرضٍ محروقة، وهجّر أهلنا، وجعل من أرضنا ومجتمعنا سهولاً خصبةً للمخدرات، وشرّع حدودنا للسلاح والمسلّحين، وفرض الخوّات، واعتدى على مَن طاب له من النساء، وصادر الممتلكات، ونهب المؤسسات، وهدر المال العام، وفرض علينا حُكّاماً، ونصّب أشباه الرجال مرجعيات، وأسكت الإعلام الحرّ، وحوّل الوطن إلى سجنٍ كبير، ومَن رضيَ الله عنه نُفي خلف البحار، والأهم أنه غيّب الوجود المسيحي الفاعل، بل حفر له مقبرةً جماعية وأقام فوقها الصلاة.
نعم، ليس صحيحاً يا صاحب الغبطة أنهم أقرب إلى الديمقراطية وكأنهم ملائكةٌ بين البشر. فاللائحة السوداء تطول بارتكاباتهم التي تمتد على مساحة الوطن الذي ما زال يئنّ وجعاً من سواد أفعالهم ومن نظامٍ متوارث من الأب للإبن.
نعم، يا صاحب الغبطة، إن نظاماً مُستبدّاً فعل ما فعل بلبنان، لا يستأهل أن يرفّ لنا جفنٌ على سقوطه كائناً مَن كان البديل، فإن كان بديله نظاماً حضارياً ديمقراطياً، لن يجد في لبنان سوى ردّ التحية بالتحية، وإن لم يكن كذلك فتاريخنا شاهدٌ على مقاومة أسلافه، إنما في الحالتين يا صاحب الغبطة، لا تقلق لأن النظام الآتي سيولد من رحم الثورة ومن سهول الربيع العربيّ.
نعم، يا صاحب الغبطة، ننتظر سقوط النظام ورحيله بفارغ الصبر…
فالصبر نورٌ، والنور حقّ، والحق عدالة، والعدالة، وإن تأخرّت، لا بدّ آتية…
وفي الانتظار يا صاحب الغبطة، علينا ألا نحرق البخور كرمى لعيون مَن أحرق لبنان ورحل فوق بحرٍ من الدماء والدموع.
والسلام يا صاحب الغبطة.