كتبت مرلين وهبة في "الجمهورية": نجحت دار الفتوى في تجاوز أزمة كبرى كانت ستتسبّب بها دعوة مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني إلى انتخابات المجلس الشرعي الإسلامي في 22 نيسان المقبل، في خطوة فسّرها المتابعون محاولة من المفتي لقلب الطاولة في وجه تيار "المستقبل"، والرئيس فؤاد السنيورة تحديداً.
فالنزاع الذي نشأ بين المفتي و"المستقبل" منذ استلام الرئيس نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة، اعتبره تيار "المستقبل" بمثابة انقلاب سياسي ومحاولة من الطوائف الأخرى للسيطرة على أعلى منصب ديني للطائفة السنية. ولم يخل الأمر من اتهام قباني بقلب البندقية من كتف "المستقبل" الى كتف "حزب الله"، حيث فتح ابواب دار الفتوى للحزب ولسفيري سوريا وإيران، وحتى لتغطية خطوات ميقاتي في الداخل.
رحلة حبس الأنفاس أفضَت الى تسوية قادها ميقاتي بين الطرفين على طريقته في تدوير الزوايا، حيث أقنع المفتي بضرورة تأجيل انتخابات المجلس الشرعي، على اعتبار انها بمثابة لغم سينفجر بأركان الطائفة جميعا، كما استطاع بطريقة غير مباشرة، تخفيف ضغط "المستقبل" على المفتي عن طريق السماح له بالبقاء في سدة الإفتاء حتى انقضاء مدة ولايته (سنة وتسعة أشهر من الآن) حيث يبلغ سن الـ72 كما ينصّ عليه قانون دار الإفتاء، وهي فترة كافية بنظر من يعنيهم الأمر، لترتيب الأوضاع الداخلية بعيداً عن الانقسام السياسي الحاصل لحفظ ماء الوجه للجميع.
لماذا دعا قباني الى انتخابات مجلس جديد وما سر إصرار السنيورة على إدخال اصلاحات جديدة في منصب المفتي؟
تجيب مصادر من داخل دار الفتوى عن هذه التساؤلات بالقول إنّ المفتي قباني اراد المحافظة على مكانته بعد حالة الافتراق النهائي مع تيار "المستقبل"، وخصوصا عقب الاجتماع الذي جمعه مع الرئيس السنيورة، والذي ألمح الى دعوى قضائية بحق نجل المفتي، والتي أقامها في ما بعد خمسة مشايخ مقرّبين من مفتي عكار أسامة الرفاعي، الذي أقاله المفتي قباني من منصبه ورفض التجديد له.
والدعوى المذكورة ينظر فيها المدعي العام سعيد ميرزا شخصيا، وهي تطال نجل المفتي راغب رشيد قباني بتهمة الاختلاس والتزوير…
وتقول مصادر متابعة إنّ اجتماعاً ضمّ الرئيس ميقاتي الى جانب ثلاثة شخصيات سنية في بيروت من خارج تأثير تيار "المستقبل"، أفضى الى إنضاج فكرة التسوية القائمة على تمديد مهلة المفتي وتأجيل انتخابات المجلس حتى انقضاء مدة ولايته، ومن ثم دعوة الهيئة الناخبة المؤلفة من نحو 270 شخصية سنية تشمل رؤساء الحكومة والوزراء الحاليين والسابقين والنواب الحاليين فقط وموظفي الفئة الأولى والقضاة وأعضاء المجلس البلدي.
تتابع المصادر أنه بعد هذا الاجتماع وضع ميقاتي آلية الحل القائمة على تسيير شؤون دار الفتوى بهدوء طوال هذه المدة، والسعي الى تسوية بيت الإفتاء الداخلي بإطار من التفاهم على حفظ المقام وتشجيع الحوار كوسيلة وحيدة بين مختلف الأطراف خارج منطق التحدي، وطرح تنحية المفتي او الضغط عليه من باب ملف نجله راغب، خصوصا انّ الرئيس السنيورة هو من قام في السابق بتغطية قباني بهذا الشكل على طريقته في حل الامور، حيث ترددت معلومات عن تسوية قائمة برد المبلغ لصندوق دار الفتوى وحفظ كرامة المفتي الحالي من اي تطاول.
وختم المصدر ان السن القانونية للمفتي هو 72 عاما، وقد اقترب منه المفتي الحالي. وعليه، من غير الطبيعي المطالبة بتنحيته في هذا الظرف الدقيق لأسباب انتخابية تطال بعض الاطراف السياسية التي تحاول الحصول على غطاء دار الفتوى في معاركها الانتخابية المفترضة، في حين ان المطلوب حاليّاً هو الانصراف الى تحديث مؤسسات دار الفتوى وعصرنتها.
اوساط اسلامية رأت أن آلية الحل المذكورة تعتمد أساسا على تأجيل المشكلة وانتظار عوامل الوقت، كما الرهان على الاستحقاق الانتخابي الحاصل حكماً بعد نحو سنة، حيث ستنبثق أكثرية نيابية سياسية تحكم البلد. وعليه، تصير حكما دار الفتوى في فلكها السياسي، طالما ان الهيئة الناخبة بمجملها ترتبط مصالحها عضويّاً بالسلطة ومَن يمسكها.