"للمرة الأولى منذ استقلالها تخضع سوريا لنوع من الوصاية العربية – الاقليمية – الدولية على شؤونها ومصيرها، فصارت ذات سيادة محدودة ومنقوصة، إذ ان الحرب البالغة القسوة التي يشنها نظام الرئيس بشار الأسد على شعبه المحتج وتداعياتها وانعكاساتها المتعددة في الداخل والخارج قلصت الى أدنى حد قدرة النظام على التحكم بمسار الأوضاع وتحديد مستقبل البلد وأنهكت الدولة ومؤسساتها وزرعت بذور فتنة عميقة في المجتمع يمكنها أن تتحول حرباً أهلية إذا فشلت الجهود الديبلوماسية لحل الأزمة، الأمر الذي دفع دولاً عدة الى التدخل مباشرة والتشاور في المصير السوري. وفقد نظام الأسد صفة الممثل الشرعي الوحيد للسوريين إذ ان الشعب المحتج يرفضه ويريد إسقاطه واستبداله بنظام ديموقراطي تعددي حقيقي، كما تطالب برحيله الدول العربية والاقليمية والأجنبية والكثير من الجهات الدولية المعنية بالأمر والتي تتعامل مع المعارضة على أساس انها طرف رئيسي في المفاوضات وشريك مهم وضروري للتوصل الى حل وبناء سوريا الجديدة. وهذا لم يحدث من قبل". هذا ما قاله لنا مسؤول أوروبي بارز معني بالملف السوري. وأضاف: "ان هذين التطورين المهمين يشكلان هزيمة سياسية واستراتيجية حقيقية لنظام الأسد الذي لم يعد قادراً على إنقاذ ذاته وبلده وشعبه من المحنة العميقة وإعادة الأوضاع الى مجراها الطبيعي".
وركز المسؤول الأوروبي على العوامل والأمور الأساسية الآتية التي توضح تقويمه لتطورات الأزمة السورية وأبعادها:
أولاً – أسقط الأسد الحل الداخلي للأزمة لأنه يرفض الإعتراف بوجود شعب محتج له مطالبه وحقوقه المشروعة ويريد القضاء على المحتجين والمعارضين وليس التفاوض معهم خلافاً لما تطالب به الدول الاقليمية والأجنبية بما فيها روسيا والصين. ويتمسك الأسد، مدعوماً من إيران، بالاصلاح الشكلي الذي يضمن في رأيه بقاء نظامه بتركيبته وطبيعته وتوجهاته الحالية ويرفض الاصلاح الحقيقي الذي يؤدي الى قيام نظام ديموقراطي تعددي يرتكز على التداول السلمي للسلطة من طريق انتخابات حرة وشفافة.
ثانياً – لم يعد الأسد قادراً على الغاء الثورة الشعبية والمعارضة أو القضاء عليها ولم يعد قادراً على أن يفرض بالقوة على السوريين وعلى الدول المعنية بالأمر بقاءه في السلطة والحفاظ على نظامه، وهو ليس قادراً على إعادة الأمن والاستقرار الى البلد وتوحيد المجتمع السوري واستعادة علاقات سوريا العربية والاقليمية والدولية. كما ان نظام الأسد عاجز عن الإفلات من العزلة والحصار وعن الغاء العقوبات والاجراءات القاسية المفروضة عليه وعن معالجة المشاكل الضخمة المتفاقمة اقتصاديا وماليا ومعيشيا واجتماعيا وأمنيا التي تعانيها سوريا. ويواجه الأسد، للمرة الأولى، واقعاً بالغ القسوة بالنسبة اليه هو ان الغالبية العظمى من الدول المعنية بمصير المنطقة تريد الاستغناء عنه وترفض التعامل معه مجدداً وترى ان رحيله عن السلطة شرط ضروري لتسوية الأزمة السورية.
ثالثاً – لم يعد ممكناً إنقاذ سوريا بأيدي السوريين أنفسهم إذ ان نظام الأسد يتصرف على أساس أن المحتجين والمعارضين أعداء ومتآمرون يجب القضاء عليهم والمعارضة التي اكتسبت شرعية عربية وإقليمية ودولية حقيقية تتحرك على أساس ان النظام فقد شرعيته ويجب أن يعيد السلطة الى الشعب السوري ويتركه يقرر مصيره.
وشدد المسؤول الأوروبي على "ان الحل الجدي للأزمة السورية سيأتي من الخارج من طريق محادثات وتفاهمات سرية بين مجموعة دول أبرزها السعودية وتركيا وقطر وأميركا وفرنسا وبريطانيا وروسيا، وسيرتكز على إعطاء الأولوية لوقف الحرب وأعمال العنف والقمع في إشراف مراقبين دوليين وإنقاذ السوريين من معاناتهم البالغة القسوة وتوفير المساعدات الانسانية لهم تمهيداً لاطلاق عملية سياسية شاملة في رعاية عربية – دولية تستند خصوصاً الى جوهر المبادرة العربية. وتهدف هذه العملية الى إقناع الأسد بالتنحي عن السلطة والتوصل الى تفاهم بين قيادات من داخل النظام وممثلي المعارضة والثورة الشعبية على حكومة وحدة وطنية تشرف على مرحلة إنتقالية تشهد صوغ دستور جديد يحقق المساواة بين المواطنين وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية تعددية وحرة مما يؤدي الى قيام نظام ديموقراطي حقيقي". وخلص الى "ان أي حل جدي للأزمة يجب أن يشمل رحيل الأسد والمقربين منه عن السلطة لأن بقاء الرئيس السوري في الحكم يمنع إنجاز مصالحة وطنية شاملة وضرورية لبناء سوريا الجديدة".