الأمُّ… هي الأمّةُ، والأمة بلا أمّ هي امرأة عاقر، إنْ أنجبَتْ بالمصادفة فقد يأتي الأبناء معوَّقـين.
ولبنان منذ الطفولة… هزّت سريرَهُ أمُّ الحضارة يوم كانت المرأة الفينيقية الراقية تتمتّع بحقوقها، وتؤدي دورها القومي لألفٍ وخمسمئة سنة قبل المسيح.
وكما أن قرطاجة سهرت فوق سريرها امرأةٌ صبّيةٌ هي "أليسار" شقيقة ملك صور، فجعلَت من جلد الثور وطناً حطّم جبرؤوت روما، هكذا عاش لبنان ينهل من الثَدي المبارك أم الشرائع بيروت، ومرضعة القوانين.
والأم في عيدها الربيعي هذا، خطَف الدخان الأسود من شفتيها هتاف النشيد، والأمَّة من حولها أجدَبَتْ فيها المواسم، والنار تحصد من مرابعها الفرح، فإذا العيد وشاحٌ أحمر، وليلٌ ينتظر الضوء، وشمعةٌ تذوب أمام الحرية المغتصبة.
هذا الربيع المضرَّج بأحمرَ ليس من حُمْرَة شقائق النعمان، كلُّ أمٍّ فيه تذرف دموعَ عشتروت ماءً أرجوانياً يصبُّ في النهر لتَنْبَلج البراعم ويتفتَّح الزهر.
وأمُّ هذا الربيع ترفض العيد المكبَّل بالأصفاد لأنها نذرت عيدها للحرية، وتأبى الفرح مع وطن مصلوب وشعبٍ مدمَّى يرقص في النار رقصة الموت، وهي في انتظار عيدها الذي هو القيامة، ترمي كل أدوات الزينة والبهرجة، ما دام وشَمُ البارود يلطِّخُ وجهها ومَكْحَلة العينين، وترفض ارتداء ثوبها الأبيض أمام زركشة القمصان السود والأثواب المرقَّطة بالدم.
قال السير أدوين أَرنولد: "الله لا يستطيع أن يكون في كل مكان لذلك خلق الأمهات"… والأمهات في هذا الزمان المتفجرّ بالضغائن ودموية السيف والرعب، تجلَّلتْ نفوسهن بنفحات من الألوهية، وهنّ يبصرن فلذاتهن أشلاء مبعثرة على الدروب، ويتلقَّفْنَ المكاره المجازر بإيمانٍ جُلْجُلّي يفوق طاقة الآداميين.
هي الأم، تهزّ السرير بيمينها والعالم باليسار، فإذا العالَمُ معها عالمان: عالم إنساني حضاري يَفخر بالعظائم، وعالم يضج بالإرهاب والإجرام النيروني… ألَمْ تقُل "أجربين" أم نيرون للجلاد الذي جاء يقتلها تنفيذاً لإرادة إبنها "إضرب في البطن الذي حمل ذلك الوحش"؟
وبين هزّة سرير وهزّة سرير، يموت ضمير ويستيقظ ضمير… ترتفع رؤوسٌ نحو السماء بموجب قانون الخير الأكبر، "وتتدحرج رؤوس كألواح القرميد على الأرض" بموجب قانون الشر الأرهب كما يقول قاضي المحكمة الثورية في فرنسا، أو كما قدّم هيرودس حاكم فلسطين رأس يوحنا المعمدان على طبق من فضّة هدية الى الراقصة "سالومي".
فإذا كان وراء كل جبار إمرأة، ووراء كل جزار إمرأة، فلتكن الأمهات وراء الجبابرة حتى لا تكون الغانيات وراء الجزارين.