كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهوريّة":
هل ذهب سمير جعجع بعيداً في دعم المؤسسة العسكرية غداة اكتشاف الخلية التي عملت على اختراق الجيش؟
وهل من الممكن أن يتحمّل الرأي العام اللبناني أو يمكن أن يتقبّل الفلسطينيون داخل المخيمات، دعوة كالتي حضّ فيها جعجع الجيش على التصرف إزاء الخطر الذي يتهدّده حتى ولو كان هذا التصرف سيؤدي الى نهر بارد جديد في عين الحلوة؟ في الشكل بدا جعجع وكأنه ينتحل صفة وموقع وزير الدفاع في الحكومة، إذ إنّ هذا الموقف قد صدر من معارض، في حين اكتفت الحكومة بالتفرّج على المؤسسة العسكرية وهي تعالج مشكلة تتخطى الاعتبار الأمني لتدخل في صلب المسألة السيادية التي لا يفترض إزاءها أن تتحوّل الحكومة الى "محلل سياسي" لا يمتلك القرار ولا يعطي الجيش التوجيه المناسب، لاقتلاع الخطر من جذوره كما يفترض بأي سلطة تنفيذية مسؤولة أن تتصرف.
أمّا في المضمون وهو الأهم، فقد تجرّأ جعجع على كشف عورة بعض مكوّنات هذه الحكومة خصوصاً العماد عون و"حزب الله" اللذين يكتفيان بالوقوف وراء يافطة التخويف من الحالات السلفية والتكفيرية من دون أن يقوما بأي دور في إعطاء الجيش قراراً واضحاً بالتصرف إزاء خطر تفشي الحركات العنفية المعلّبة والموضّبة جيداً كي تستوطن عين الحلوة وتنفذ ما يطلب منها لحساب الجهات الإقليمية الراعية، وأوّلها النظام السوري الذي افرج بالأمس القريب عن احد ابرز رموز هذه الحال العنفية وصدّره الى عين الحلوة، بما يشبه الإفراج عن شاكر العبسي وتصديره الى البارد.
ولأنّ جعجع شعر بأنّ ما يتم تحضيره في عين الحلوة لا يبتعد كثيراً عمّا حضّر سابقاً في البارد، فقد سارع الى إعلان موقف واضح جداً، داعم للمؤسسة العسكرية، وهذا الموقف أدى أغراضاً محدّدة واسفر عن نتائج منها ما ارتد إيجاباً ومنها ما كان مردوده سلبياً.
ففي الأهداف غير الملتبسة لموقف جعجع، قدّم الأخير غطاء مسيحياً للمؤسسة العسكرية، لا بل انه وبفعل الموقف الذي اعلنه قدّم غطاء 14 آذارياً ما لبث ان ظهر من خلال مواقف أخرى اعلن عنها أصحابها تباعاً.
ومن الأهداف أيضاً أنّ هذا الموقف الحاسم في دعم الجيش أظهر خللاً في مكان آخر، حيث بدا المهوّلون من الخطر السلفي والمستفيدون من تكبير فزاعة الأصولية السنّية، في حال إرباك نتيجة عدم قدرتهم على مواجهة ما يعرفون انه قد صنع في مطابخ حلفائهم، وبفعل هذا الإرباك تركوا الجيش ليقلع شوكه بيديه، وكادوا أن يضعوا خطاً أحمر ثانياً أمامه كي لا يمتلك القدرة على الحسم.
أمّا في المردود السلبي، فيمكن الكلام عن آثار تركها موقف جعجع على أهالي المخيم الذين فسّروا ما قاله على انه استهداف لهم ولأمنهم وما حصل بعد ذلك أنّ القوى الفلسطينية الحليفة للنظام السوري، وتلك التي تتأثر بالقوى السلفية اتحدت في تنظيم حملة تحريض ضد جعجع في المخيم وهو الأمر الذي أدى الى إحراج حركة فتح التي اضطرت الى طلب توضيحات حول خلفية كلامه ذلك مع علمها المسبق بأنّ جعجع الذي قال إنّ ربيع العرب يبدأ بربيع فلسطين كان يريد من خلال دعم المؤسسة العسكرية ما تريده فتح، أي إزالة البؤر المزروعة داخل المخيم التي تستعمل عند الحاجة كأذرع للتخريب المدفوع الثمن، ولا يخفى هنا أنّ هذه الأذرع تعاني فتح من وجودها معاناة من يتم تحميله مسؤولية لا يمتلك أدوات تحمّلها ولا معالجة المشكلة الناتجة عنها.
ومع ذلك كله فإنّ جعجع برهن بما قام به انه لم يخاطر كثيراً بدعم الجيش، على اعتبار أنّ هذا الدعم يخدم قضية العلاقة اللبنانية – الفلسطينية، ويحمي منطق سيادة لبنان على ارضه التي تسلّم بها لا بل تطالب بها قيادة "أبو مازن"، كما أنّ هذا الدعم يتكامل مع المناداة بربيع فلسطين الذي جاهر جعجع بوضعه في أول أولويات الربيع العربي، على اعتبار انه المدخل الطبيعي لصياغة علاقة لبنانية فلسطينية تطيح أحلام التوطين، وفزاعاته وتؤكد طي صفحة الماضي الأليم في هذه العلاقة التي لم تتح لها كما الآن الفرصة الحقيقية لإنتاجها على قاعدة الاحترام والأخوة بين شعبين صديقين.