تغييب متبادل بين الغرب والشرق الأوسط
الانتخابات الأميركية والفرنسية يطمسها "الربيع"
ثمة مفارقات مهمة في لبنان والمنطقة وفق ما يلاحظ عدد كبير من المراقبين تتصل بلامبالاة ظاهرة ازاء ما يمكن ان تحمله الانتخابات الرئاسية في بلدين كبيرين معنيين الى حد كبير بما يجري في المنطقة وهما فرنسا والولايات المتحدة. اذ قد تكون الاشهر الراهنة التي تترافق مع حملات انتخابية حادة في كل من فرنسا والولايات المتحدة من المرات النادرة التي لا تشهد دول المنطقة توقعات اعلامية وسياسية او اهتماما كبيرا يتصل بما ستكون عليه هذه الانتخابات وما يمكن ان تدخله التغييرات التي يمكن ان تطرأعليها من تبدل في العلاقات او في السياسة الخارجية لهذه الدول ازاء قضايا المنطقة. فهذه الانتخابات ونتائجها المحتملة اكتسبت دوما ابعادا سياسية عدة وفقا للحزب الفائز في فرنسا او في الولايات المتحدة بحيث تترتب على وصول اليمين او اليسار في فرنسا سياسات معينة. وكذلك الامر بالنسبة الى الديموقراطيين او الجمهوريين لكنها لم تعد تبدو راهنا في اولويات دول المنطقة وفق ما كان يجري في السابق. حتى ان البعض يرى ان منسوب الاهتمام بهذه الانتخابات متدن الى درجة عدم معرفة من هم المرشحون الخصوم لنيكولا ساركوزي في فرنسا او لباراك اوباما في اميركا مثلا. فلبنان مشغول كما الدول الاخرى وحتى اشعار آخر بتطورات الوضع السوري المأسوي وقد بات وضعه الداخلي يسير وفقا لايقاع ما يجري في سوريا الى حد كبير، علما ان الازمة السورية باتت بدورها محورا مهما في اولويات الدول لكن من دون ان تصل الى حد ان تشكل حيزا خلافيا في حملات المرشحين في فرنسا او في الولايات المتحدة. ففي فرنسا التي باتت انتخاباتها على الابواب اي خلال الاسابيع القليلة المقبلة تبدو افغانستان موضوعا بخلفية خلافية بين المرشحين الى حد ما لجهة توقيت ضرورة عودة الجنود الفرنسيين من افغانستان لكن ليس اكثر من ذلك. وفي الموضوع السوري الذي يقول كثر ان رد فعل ادارة ساركوزي على النظام السوري اتت قوية نظرا للمآخذ التي وجهت اليه للاستقبال الذي نظمه ساركوزي للرئيس السوري قبل اعوام وفك عزلته الدولية التي كانت فرضت على النظام على اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لا يبدو ان ثمة متغيرات في مواقف المرشحين من خصومه الذين ابدوا تعليقات على ما يجري في سوريا اظهرت قدرا كبيرا من الاستمرارية المحتملة. في حين ان المسائل في الدول العربية الاخرى يتم التعامل معها بتؤدة وحذر بحيث لا يمكن القول ان هناك سياسات خارجية سابقة لاوانها في ظل تطورات تحمل مفاجآت يومية ان في دول الربيع العربي او ازاء الدول الاخرى وصولا الى ايران باعتبار ان هناك سياسة غربية شاملة تقريبا ازاء الموضوع الايراني لن تؤثر فيه الانتخابات اقله في المستقبل القريب.
والتعامل مع الانتخابات الاميركية لا يختلف ولو انها لا تزال بعيدة نسبيا وفي انتظار ان تنتهي الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. لكن مواقف المرشحين لم تحمل مفاجآت بالنسبة الى سوريا على رغم ان الرئيس باراك أوباما اظهر تساهلا مع النظام السوري لدى وصوله الى السلطة وفتح صفحة جديدة معه كما مع ايران من دون ان تؤدي اي منهما الى نتائج جديدة. فمسألة التدخل العسكري الاميركي في سوريا امر لا يحبذه المرشحون الرئاسيون الاميركيون على رغم بعض التصريحات والاستنتاجات التي بنيت على ما كان صرح به السناتور جون ماكين. في حين يبقى الدعم الاميركي لاسرائيل محوريا واساسيا بالنسبة الى الانتخابات الاميركية وكما في كل انتخابات لكن مع تراجع مسألة الصراع العربي الاسرائيلي وعملية السلام من واجهة الاهتمام بعدما فرضت المتغيرات الاقليمية جديدا على هذا الصعيد وكل ذلك لقاء اولوية يحتلها الاقتصاد الاميركي وقضايا الداخل. وهو الامر الذي ينسحب ايضا على المرشحين للرئاسة الفرنسية والذين تشكل المسائل الداخلية الاقتصادية منها في ظل ازمة اليورو والازمات المالية في دول الاتحاد الاوروبي اهمية قصوى على جدول اعمالهم تتخطى باشواط ما يمكن ان تثيره المسائل الاقليمية الشرق اوسطية في الرأي العام الفرنسي او الاميركي. ويلفت المراقبون في هذا الاطار الى الاستنكار الكبير الذي اثاره مقتل اطفال قبل ايام في تولوز في مقابل لامبالاة شعبية ازاء العدد الكبير من الاطفال الذين سقطوا ضحايا العنف في سوريا اخيرا علما ان الازمة السورية تحتل اولوية في الاعلام الفرنسي والاميركي على حد سواء…
وتاليا فانه كما تغيب السياسة الخارجية عن الحملات الانتخابية الفرنسية والاميركية نظرا الى التغيرات الكبيرة التي باتت تحملها التطورات في المنطقة، فان دول الشرق الاوسط وشعوبه تبدو اقل اهتماما ومتابعة لهذه الانتخابات. وقد انشغلت هذه الشعوب بالربيع العربي الذي ينذر بتغييرات تثير خشية كبيرة من المجهول الذي تذهب اليه نظرا الى المخاض الطويل التي عليها ان تسلكه قبل ان تستكين الى نظام بديل من الانظمة التي حكمت طويلا. وهذا لا ينفي ان هناك متابعة على مستوى السلطات في الدول العربية للانتخابات الفرنسية او الاميركية المقبلة لكن يعتقد المراقبون ان دول المنطقة باتت تفرض في ظل ما يجري فيها من تطورات قواعد التعامل الدولي الجديد معها اكثر مما كانت عليه الامور من قبل حيث كانت سياسات الادارات الجديدة التي تصل الى الحكم ترسم سياساتها الخاصة ازاء تعاملها مع المنطقة.