#adsense

مسيحيو مصر بعد البابا شنودة؟

حجم الخط

في مناسبة وداع البابا شنودة الثالث، كتبت مجلة "الكرازة" كلمة اختصرت فيها هواجس الطائفة القبطية، معربة عن حزنها العميق لموت قائد روحي انتهت حياته في أحرج الظروف وأكثرها احتياجاً الى حضوره المؤثر.

عبرت هذه المجلة عن مخاوف طائفة لطالما تعرضت كنائسها وأديرتها لاعتداءات متواصلة أثناء الثورة الاخيرة… وقبلها في عهد حسني مبارك. علماً بأن "الاخوان المسلمين" اتصلوا بمختلف القيادات المسيحية من أجل تطمينها واقناعها بضرورة التعاون لبناء المجتمع المصري الجديد.

وكان المرشد العام لجماعة "الاخوان" محمد بديع، قد التقى وفد الكنيسة الانجيلية برئاسة صفوت البياضي، بهدف وضع أسس التعاون الوثيق. وحضر اللقاء كل من: المرشد السابق مهدي عاكف ونائب المرشد الحالي رشاد البيومي والمستشار الاعلامي وليد شلبي.

وفي ختام الاجتماع صدر بيان مقتضب يختصر قواعد الترابط بين الفريقين على النحو التالي: "يرى الحاضرون ان كل أبناء الوطن شركاء في مصير واحد ومستقبل واحد، وان المواطنية الكاملة القائمة على المساواة تعتبر القاعدة الاساسية لبناء وطن يمارس فيه أبناؤه الحقوق والواجبات طبقاً لأحكام الدستور والقانون".

ورأى بعض المعلقين في هذا البيان قاعدة وطنية عادلة يمكن أن ترضي ايضاً رعايا الكنيسة القبطية الارثوذكسية الذين يشكلون ما نسبته عشرة في المئة من عدد سكان مصر. خصوصاً ان البيان اشار صراحة الى قاعدة المساواة بين مختلف اطياف المجتمع، الامر الذي يمنع تهميش الأقليات وهيمنة الأكثرية. كما أشار ايضاً الى ضرورة احترام العقائد والمقدسات، والامتناع عن ازدراء عقائد الآخرين أو الحض على كراهيتهم. ومن المؤكد ان تطبيق هذا السلوك الحضاري سيؤدي الى تماسك المجتمع وتعزيز الوحدة الوطنية.

يعترف بعض الاساقفة بأن المعاناة الطويلة التي اختبرها الاقباط طوال عهدي السادات ومبارك، قد أثارت في نفوس قادتهم مشاعر الامتعاض والارتياب. لذلك باتوا ينتظرون ترجمة البيانات الخطابية الى مواد ملزمة في الدستور الجديد، تحميهم من الممارسات الخاطئة.

ويحتفظ دير الأنبا بيشوي في وادي النطرون، حيث دفن البابا شنودة الثالث، بأرشيف ضخم يروي سيرة حياة نظير روفائيل الذي توج البابا الرقم 117 في الكاتدرائية المرقسية الكبرى في القاهرة (14 تشرين الثاني 1971).
ومن أبرز الاحداث التي رواها محمد حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب"، كان حادث المواجهة السياسية بين البابا شنودة والرئيس أنور السادات ربيع 1980. يومها كان السادات قد وعد الاسرائيليين بالتطبيع الكامل اثر ابرام اتفاقية "كمب ديفيد". وكان يتوقع من البابا أن يشجع أبناء طائفته على مضاعفة اعداد الحجاج الذين يتوجهون الى القدس في المناسبات التقليدية. ولكنه فوجئ باعلان رفض قاطع أصدره البابا يحظر على رعاياه زيارة الاماكن المقدسة في القدس المحتلة. وبرر رئيس الكنيسة القبطية الارثوذكسية موقفه بالقول: "ان المشاكل التي تفصل مصر الآن عن بقية العالم العربي سوف تحل ذات يوم. وأنا لا أريد أن يكون اقباط مصر هم خونة الأمة العربية حينما تعود المياه الى مجاريها".

وفي احتفال "ثورة 14 أيار" وجد السادات الفرصة مناسبة ليهاجم البابا شنودة، ويتهمه بأنه يعمل لانشاء دولة للاقباط في صعيد مصر تكون عاصمتها اسيوط. كما اتهمه بنكران الجميل، معلناً في خطابه ان "عبد الناصر سمح له ببناء 25 كنيسة فقط، بينما أنا ضاعفت العدد وسمحت له ببناء 50 كنيسة". وانفعل السادات وهو يتحدث عن تصرف البابا شنودة، ثم قال: يجب ان يعلم انني رئيس مسلم لدولة مسلمة.

وكان بالمستطاع أن يتجاوز البابا تحدي السادات لولا تزامن صدور التصريح مع نشر مقررات متجانسة أعلنها شيخ الأزهر عبد الحليم محمود. وجاء في تلك المقررات ما خلاصته: أي قانون يعارض تعاليم الاسلام يعتبر لاغياً.
ولم يخف البابا اعتراضه على فكرة ان تكون الشريعة الاسلامية اساساً لقوانين تنطبق على غير المسلمين. وكان يؤمن بأن المجتمع المصري مؤلف من أكثرية وأقليات. وأعرب عن أسفه لأن يعامل الاقباط كأقلية دينية من أهل الذمة، تماماً مثلما عوملوا في عهد الامبراطورية العثمانية. أي أن يدفعوا الجزية من دون أن يحصلوا على حق المواطنية الكاملة.

ورأى في محمد علي أول حاكم مصري مسلم يزيل عن الاقباط صفة أهل الذمة، ويمنحهم حقوق المواطنية الكاملة بما فيها حق الانخراط في الجيش النظامي.
عرف عن البابا شنودة الثالث حبه لدراسة التاريخ الفرعوني والاسلامي، خصوصاً خلال التحاقه بجامعة فؤاد. وقد حصر اختصاصه أثناء تلك الفترة، بمراجعة عصر القبط عقب انهيار المؤسسة الدينية الفرعونية، وحلول المرحلة القبطية محلها.

وكان يأسف لمواصلة هجرة ابناء رعيته الى الولايات المتحدة وكندا، متمنياً على الدولة توفير الأمن والوظائف وكل ما يحتاجه المواطن للالتصاق بأرضه. وفي معظم احاديثه للصحافة كان يعطي سعد زغلول أهمية خاصة، لأن الاقباط في عهده كانوا يترشحون في مناطق اسلامية… ويفوزون. والعكس صحيح. وقد برز منهم في تلك كالمرحلة، عدد كبير من الوزراء والنواب والقيادات الوطنية، بينهم: مكرم عبيد وسينوت حنا وواصف غالي ونخله المطيعي وصليب سامي وفخري بك عبد النور وفوزي باشا المطيعي وفهمي بك ويصا وجورج باشا خياط وتوفيق دوس وراغب اسكندر.

كذلك تألق عدد كبير من الاقباط في مجالات الادب والثقافة نذكر منهم: موسى صبري والفرد فرج وفيليب جلاب وغالي شكري ولويس عوض ووديع فلسطين وشكري عياد وحسني جندي ويونان لبيب رزق وراغب عياد وميلاد حنا ورشدي سعيد وادوار خراط.

وكان البابا الراحل يطرح هذه الاسماء السياسية والادبية كنماذج لما يمكن أن يكون عليه المواطن القبطي في حال توافرت له اجواء الصفاء والطمأنينة. اي في حال توقف استهدافه وارهابه واحراق كنائسه وانديته. وكان في ايامه الأخيرة يشيد بوثيقة الازهر المتعلقة بالديموقراطية، ويمدح المشرف على اعدادها الشيخ احمد الطيب. وهي الوثيقة التي صدرت مطلع هذا العام، وتحدثت عن حرية المعتقد وحرية الرأي والتعبير وحرية البحث العلمي وحرية الابداع الادبي والفني. وقد تصدى لهذه الافكار الجريئة القيادي السلفي عبد المنعم الشحات، منتقداً بدعة الديموقراطية، داعياً الرجال الى اطلاق لحاهم والامتناع عن التعامل مع المصارف. كما طالب الدولة بضرورة اخفاء تماثيل الحضارة الفرعونية كونها تشبه الاصنام التي كانت موجودة حول اسوار مكة المكرمة قبل الاسلام. ولم ينس الشحات ان يصف اقباط مصر بـ"المسيحيين الكفار".

وقد تجاهل البابا الراحل انتقادات الشحات خوفا من تأجيج النفوس المضطربة، وظل رده متزنا، هادئاً بعيدا عن الصخب واجواء العنف. لهذا وصفه مرشد "الاخوان المسلمين" محمد بديع، بالرجل الوطني الذي خدم بلاده وكنيسته بكل اخلاص ومحبة. ثم كرر هذه الاشادة في مجلس العزاء، واصفا سلوكه بـ"الحكمة والعقلانية والتسامح وكل ما يساعد على اجهاض مخططات الفتنة في مصر".

ويتطلع "الاخوان المسلمون" الى المواطنين الاقباط – داخل مصر وخارجها – كسند في مرحلة بالغة الصعوبة. ذلك أن نجاحهم في الانتخابات لا يعني بالضرورة نجاحهم في الحكم. وبما أن المسيحيين العرب هم الفريق المؤهل لاقناع مسيحيي الغرب بأهمية التخلص من مرض الاسلاموفوبيا، فان الحزب الحاكم يجب أن يقنعهم أولا بأول. وعليه يتوقع المراقبون أن تكون عملية اختيار البابا الرقم 118 مستندة الى معايير "الاخوان المسلمين" لا الى معايير "حزب النور" السلفي، وفي ضوء هذين الخيارين ينقسم الناخبون تيارين متعارضين: الاول، تيار الاعتدال الممثل بالانبا يونس والانبا ارميا والانبا روفائيل والانبا موسى. والثاني، تيار التطرف والتشدد الممثل بالانبا بيشوي، سكرتير المجمع المقدس، والمؤمن بأن المسيحية في مصر جاءت قبل كنيسة روما بعشرين سنة. وقد اقامها القديس مرقس في الاسكندرية عند منتصف القرن الاول، وكان هو اول البطاركة.

السؤال المطروح بعد وفاة البابا شنودة الثالث، يتعلق بمستقبل عشرة ملايين قبطي، وما اذا كان قائدهم الروحي سيوصلهم الى شاطئ الامان، كما فعل البابا كيراس والبابا شنودة الثالث، ام ان الحوار قد ينقطع اذا ربط السلفيون تعاونهم مع الاخوان، بشروط ابعاد الاقباط عن الحكم وادارات الدولة. وربما يقود هذا التقوقع الفكري الى تهجير المسيحيين الذين سيعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية. ومعنى هذا أن البيئة السياسية – الاجتماعية لن تقبل الاقباط كشركاء يمكنهم ممارسة حريتهم الدينية بطريقة مساوية لحرية المسلم. ومن الطبيعي ان يعقب هذا الحظر، تهميش للاقليات، واضطهاد لرجال الدين، وابعاد عن مجلس النواب.

في آخر حديث ادلى به البابا شنودة الثالث، اعرب عن اسفه لتفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية (كانون الثاني 2011) لما لهذا الحادث من دلالات سلبية ضد الاقباط. ووصفه بأنه شهادة عجز لمؤسسة الحكم الذي اثبتت فشلها في احتضان كل مواطنيها، الامر الذي نتج عنه تفكك ادارات الدولة. وخلص في استنتاجه الى التصور بأن التغيير العميق الذي حصل في بنية النظام المصري، ليس اكثر من اعلان لاخفاق الحكام السابقين في بناء دولة لكل ابنائها..

المصدر:
النهار

خبر عاجل