#adsense

“معالي النائي”..

حجم الخط

ينأى ثم ينعى.. ثم يعود لينأى من جديد.. هو وزير خارجية "المنأى" عدنان منصور رقيق القلب ومرهف الأحاسيس في كل ما يتعلق بالنظام السوري. قلبه على النظام الظالم وقلب الأخير على الحجر.. ينقض تصريحاته اليومية النائية عن السيادة والديموقراطية بمواقف تنقضّ على الشعب السوري الحرّ وتشرّع حدود لبنان الشمالية أمام انتهاكات جنود النظام السوري ما يعرّض أمن المواطنين اللبنانيين للخطر. ولكل من يعتقد بأنه منحاز الى طرف ضدّ آخر، يؤكد منصور أن الإنحياز لا يجوز.. حقا إنها لمهزلة أن يستغل الوزير ضياعه التّام بين النأي والنعي والإنحياز وعدمه وصداقة سوريا أو صداقة معلّمها! يستخدم من كل هذه المواقف ما يفيده في تبجيل النظام الغارق في فساده. روسيا مثله الأعلى، إليها ينحاز ويسمح لنفسه بالتماهي المطلق مع مواقفها.. وفي خلاصة تشبه تحليل تمرين حسابي يمكن الإستنتاج أن عدنان منصور، الذي ينأى بنفسه عن القتل والمجازر، يؤيد مواقف روسيا باعتراف منه، وتلك المواقف تدعم النظام السوري؛ إذاً، منصور يدّعي النأي ويتمسك بالنفي، منحاز و"مستقتل" في انحيازه الى النظام السوري.

"النفس النائية" مسلسل هزلي جديد تقدّمه حكومة السلاح منذ أن قرر الربيع العربي أن يزهر في سوريا. المسلسل يُعرض على كل الشاشات المحلية والعربية والعالمية.. "الجرصة" إذاً لا تقتصر على الساحة اللبنانية، فقد باتت مواقف منصور، البطل الذي يناقض دوره كل أبطال هوليوود في دعم الاستبداد وكمّ الأفواه، محطّ انتقاد كل زملائه السفراء. هؤلاء يحللون موقف لبنان الرسمي تحت عنوان "سياسة النأي" فمنصور يبدو مرتاح البال، حريصاً على أن يتمتع النظام السوري بالإنتقام من شعبه وأن يتعدى على اللبنانيين داخل أراضيهم. أليس معيبا أن تشعر فرنسا بالقلق الشديد إزاء القذائف التي يطلقها النظام السوري على شمال لبنان والبقاع، فيما لبنان الرسمي منحاز الى طلب رضا النظام السوري؟ أليس مخجلا أن تحرص فرنسا على سيادة لبنان وأمنه واستقراره، بينما تقود السياسة اللبنانية الرسمية البلد الى طبق الفضة وتقدمه للنظام السوري؟ ألا يشعر القيّمون على الحكومة بالخجل من نصائح فرنسا بـ "أن يصان لبنان من نتائج الأزمة السورية، وأن تعمل جميع الأطراف السياسية الفاعلة في لبنان في هذا المنحى؟" بالطبع، إنه لمخجل ومعيب أن يتبنى لبنان الرسمي آراء النظام السوري.. لكن أن يأتي العيب من حيث أتى، فهذا ليس بمخجل!

هكذا يؤيد عدنان منصور استراتيجية روسيا وبالتالي لا يعارض نظام سوريا.. ولا يجهل احد ان في عدم المعارضة فقط يمكن كسب ثقة "البعض". ولكن لا مصيبة أعظم من جهل وزارة المنأى لربيع الشعوب العربية، وتجاهلها حقوق الإنسان، وانشغالها عن حماية حدود لبنان للفوز بشهادة من المعلّم السوري، ثم إعلانها عن عدم مشاركتها في "مؤتمر أصدقاء سوريا" وانقطاعها عن الإحاطة بأمن اللبنانيين وإعطاء "دينتها الطرشا" لنصائح فرنسا. الوزارة أوقعت نفسها في منطقة عازلة، نأت بها عن الإنسجام الحضاري مع حرية الشعب السوري، وجعلتها تتنكّر لحقوق الإنسان التي حمل رايتها الدكتور شارل مالك، وتربط الإصلاحات بشخص الوحش السوري وتعلّق قدر شعب يتوق الى الحرية ببطش نظام أسدي ساقط لا محالة. ويبشّر الوزير بأن دولا عدة أكدت أن مواقفه سليمة، ويطالع اللبنانيين بمواقف تتعارض مع المنطق العام، ويستبق موقف لبنان في القمة العربية في بغداد ليؤكد أنه سيمارس أيضا سياسة النأي بالنفس، ويعلن أنه مستعدّ للمساعدة على الحوار.. هو طبعا سيحاور من أجل النظام السوري وسيقاتل في سبيل بقاء رأس الفساد فيه.

من أجل كل المواقف السابقة واللاحقة المستبقة، استحق وزير الخارجية عدنان منصور الشكر من نظيره المعلّم السوري. وقبل أن يتّخذ اللبنانيون موقفا ينأون فيه بأنفسهم عن سياسة "تبييض الوجه" الخادعة التي يساير فيها منصور المعلم، يتوجهون بالشكر الى وزيرهم: شكرا عدنان منصور لأنك على تواصل مع المعلم. شكرا لأنك مطلع على ما يريده المسؤولون السوريون من ضبط للحدود ومنع تسلل الأفراد. شكرا لمواقفك البناءة. شكرا لأنك لم تُدِن العنف في سوريا. شكرا لأنك طالبت بمعرفة مصير المفقودين اللبنانيين في سوريا. شكرا لخوفك على مصير اللبنانيين عموما والبقاعيين خصوصا. شكرا لدعمك النازحين المظلومين من الشعب السوري.. لائحة الشكر تطول، وكلمات الثناء تعجز عن التعبير فيما الشعب السوري يثور، يواجهه بطل السياسات الخارجية للدول النائية عن النفس عدنان منصور. وكما في كل قصص الثورات، الشعب هو البطل الوحيد الذي لا يستسلم ولا يموت..

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل