كتب وسام أبو حرفوش في صحيفة "الراي" الكويتية: يضيق امام لبنان هامش اللعب على الحبل السوري المشدود، مما يزيد من احتمالات سقوط «النظرية الخلاقة» بالنأي بالنفس عن التطورات المحتملة في الأزمة السورية في ضوء مهمة المبعوث الأممي ـ العربي كوفي أنان ونقاطه الست التي حظيت بدعم من روسيا والصين.
فلبنان الرسمي الذي يتجنّب حتى الآن إعلان موقف صريح من مهمة أنان، قد يغرّد وحيداً خارج السرب الدولي والعربي إذ اقرر مجلس الامن الدولي ان «يبني على الشيء مقتضاه» في حال عدم استجابة النظام في سورية لمقتضيات خطة انان على المستويين الانساني والسياسي.
وبدا الإرباك اللبناني نافراً في التعاطي مع «الضربات الاستباقية» التي شنّها النظام السوري على المناطق المتاخمة للبنان وطالت «شظاياها» مناطق لبنانية حدودية، وهو ما تجلى في تقليل وزير الخارجية عدنان منصور من وطأة هذه «الانتهاكات» للسيادة اللبنانية اذ قال «لا أتصوّر ان الجيش السوري يقصف مناطق لبنانية ولا شيء في السجلات يشير الى ذلك»، متسائلاً: «أين حصل ذلك؟».
وثمة من يربط في بيروت بين اشتعال المعارك السياسية بين اطراف الاكثرية الحاكمة وبين ما يجري في سورية من زاويتين، الاولى تتمثل في انهيار ضابط الايقاع السوري للعلاقة بين تلك الاطراف، والثانية تتجلى في رسائل ساخطة من النظام في سورية الى بعض الاطراف المحليين.
غير ان اوساطاً واسعة الاطلاع في العاصمة اللبنانية رأت ان النأي بالنفس عن الخيارات الكبرى في المنطقة جعل القوى السياسية اسيرة «حروب صغيرة» تفتح وفي وقت مبكر السباق نحو الانتخابات النيابية في الـ 2013، حيث يصار الى الزج بكل الملفات المطروحة في الحسابات الانتخابية.
وأدرجت هذه الاوساط، الملفات الساخنة التي تكاد ان تصيب حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بـ «صعقة» تهدد بشلّها، في اطار الصراع الانتخابي المبكر، ومنها ملفات الكهرباء والتعيينات والنفط إضافة الى «كل كبيرة وصغيرة» على جدول الاعمال السياسي.
وثمة من يعتقد في هذا السياق ان زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون، الذي خاض الكثير من المعارك الخاسرة، يحتاج الى إمرار مشروع استئجار بواخر توليد الطاقة الكهربائية، كـ«إنجاز» يعبّد الطريق الى الشروع في حملاته الانتخابية.
ورغم الطابع التقني ـ المالي للمشروع البديل الذي اخرجه الرئيس ميقاتي من جيبه، والمتمثل بعرض من شركة «جنرال إلكتريك» لإنشاء معمل لتوليد الطاقة، فإنه من الصعب نزع البعد السياسي لعملية وضع الجنرال عون وجهاً لوجه امام الـ «جنرال إلكتريك».
ولم يكن ادل على المأزق الذي يضع حكومة ميقاتي امام خطر يراوح بين الافراط في الشلل او الانفراط، مما قاله وزير الدولة مروان خير الدين من ان عدم وجود حكومة قد يكون افضل من الحكومة التي يعاني اطرافها خلافات عميقة حول المسائل المطروحة.
وينتظر ان تبلور أكثر ملامح «التشقق» الحكومي في جلسة مجلس الوزراء يوم الاربعاء حين سيطرح رئيس الحكومة مشروعه الكهربائي «المضاد» لمشروع استئجار البواخر متسلحاً بمنطق وأرقام و«نقزة»، وهو الامر الذي ادى الى تجميد عمل اللجنة الوزارية للطاقة التي كانت مكلفة درس عروض شركات بواخر إنتاج الكهرباء و«فجّر» خلافاً بين ميقاتي و«حليفه» وزير المال محمد الصفدي.
ووفق تقارير في بيروت فان «النقزة» أطلّت برأسها خلال احد اجتماعات اللجنة الوزارية للطاقة اذ قدّم الصفدي عرضاً من شركة أميركية بسعر ارخص بنحو 30 في المئة عن الأسعار التي عرضها وزير الطاقة جبران باسيل والمقدّمة من الشركتين الأميركية والتركية لبواخر الانتاج والبالغ نحو 460 مليون دولار، ما جعل ميقاتي يقتنع بضرورة وقف الصفقة ككل، مع إبدائه ملاحطات على شوائب يعتبر انها اعترت المناقصة التي رست على الباخرتين الأميركية والتركية لجهة التركيز على السعر ثم التفاوض على المواصفات.
وفي «المنطق» الذي يرتكز عليه ميقاتي لـ«تسويق» مشروع إنشاء معمل جديد لانتاج الكهرباء ان العرض الذي تلقاه من شركة «جنرال الكتريك» الاميركية تلتزم فيه الاخيرة بناء معمل لانتاج الطاقة بقدرة 500 ميغاوات وبكلفة 450 مليون دولار على أن تكون مدة التنفيذ سنة واحدة كحد اقصى (مع ترجيح الانتهاء خلال ثمانية اشهر)، مقارنةً بكلفة 460 مليون دولار لاستئجار البواخر لمدة ثلاث سنوات سنوات تضاف اليها كلفة الفيول، ومع فارق أن البواخر تؤمن نحو 240 ميغاوات حسب دفاتر شروطها ويحتاج وصولها الى ما لا يقلّ عن خمسة اشهر.
وتبعاً لذلك، يتوقّع ان يرفع رئيس الحكومة تقريراً جديداً إلى مجلس الوزراء يرفض فيه «خيار البواخر» ويتبنى حلاً يعتبره «جذريا» لمشكلة الكهرباء، مشدداً على ان المعمل الجديد سيكون بعد إنجازه ملكاً للدولة بدل البواخر المستأجرة لمدة ثلاث أو خمس سنوات والتي تكبّد أعباء على الخزينة من دون مؤدود دائم ومن دون توفير كميات إنتاج اضافية.