الحقيقتان اللتان كشفتهما فضائح "الفساد"، في اللحوم والأسماك والأجبان والدواء ومياه الشرب وغيرها، تكفيان للقول ان الغد لا بد أنه سيكون أكثر سوءاً ما بقيت الحال في البلد على ما هي عليه الآن. أولى الحقيقتين، أنه لا صحة لما يذهب اليه البعض عادة بأن يعزو الأمر الى عدم وجود دولة، وانما لأن هناك في الواقع أكثر من دولة. ثانيتهما، أن من يفترض بهم تحمل المسؤولية ـ كاملة أو حتى بصورة جزئية ـ عن ذلك لا يفعلون الا أنهم يهربون الى الأمام ليجعلوا من الاعلام كبش محرقة فيحملونه وزر ما اقترفت أيديهم (أو أيدي "دولهم" المفروضة بالقوة) ليس بحق الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الرسمية فقط وانما بحق اللبنانيين كلهم، وفي ما يتعلق بقوت حياتهم بشكل خاص.
ذلك أن ما كان يقال، في حالات مماثلة، عن فساد الطبقة السياسية التاريخي وحتى حمايتها لأعمال من هذا النوع ـ وهو صحيح ـ لا يكفي وحده لتفسير ما ينخر المجتمع والعلاقات فيه من خطايا أخلاقية لم يسبق لها مثيل… أو أقله لم تبلغ هذا الحد من الشيوع في يوم من الأيام. في السابق، ربما كان يصح القول انه لم تكن هناك دولة، أو كانت دولة تلك الطبقة السياسية الفاسدة والمفسدة في آن واحد. أما الآن، فلم يعد هذا القول ليعبّر عن الواقع (أو لا يعبّر عنه وحده، على الأقل) بعد أن تعددت الدول على الأرض، وتعدد معها قادتها وملهموها وحماتها من أصحاب المال ورعاة الاقتصاد الريعي وحملة السلاح من مختلف الأنواع والقياسات والعيارات.
ما يعبّر عن الواقع الآن، هو تحول لبنان الى ساحة تسلط وهيمنة من طراز جديد، وبأساليب ووسائل حكم وتحكم جديدة، وان يكن تحت عناوين وشعارات ومقولات مختلفة. والساحة هذه، كما بات واضحا للجميع، ساحات متعددة في البر (حدود مفتوحة) كما في البحر والجو (موانئ ومطارات)، فضلا عن أنها تعلن عن نفسها في أكثر من منطقة جغرافية، وان يكن مآلها في النهاية الى مركز قرار ورعاية وحماية واحد.
في لبنان دول متعددة، تفرخ بدورها دويلات من كل صنف ونوع هنا وهناك، وليس غريبا بنتيجة ذلك أن يعم الفساد والتدهور الاخلاقي في البيئات التي تتشكل فيها ومن حولها لتشمل لبنان كله في نهاية المطاف. كما ليس غريبا، بعد ذلك، أن تكون فضائح اللحوم والأسماك والأدوية ومياه الشرب الفاسدة رأس جبل الجليد الذي قد ينكشف عن فضائح مزرية أخرى في الأيام المقبلة في أكثر من بقعة من بقاع لبنان وأكثر من مجال من حياة أهله.
بل وأكثر من ذلك، فقد كان لدى بعض الطبقة السياسية بعض الحياء في ما مضى، وحتى بعض الجرأة على الاعتراف بالخطأ في حال انكشافه للرأي العام، ولا يبدو أن شيئا من الحياء أو الشجاعة للاعتراف موجود في المرحلة اللبنانية هذه.
لكن ثالثة الأثافي، كما يقال، تمثلت في اجتماع ثلاثة وزراء في مؤتمر صحافي واحد ليرددوا عبارة واحدة لا غير: ان على الاعلام أن يكون مجرد اعلان لهم… ولـ "انجازاتهم" عندما يتكرمون على الناس بالحديث عنها. ولأن الوزراء هؤلاء مسؤولون شخصيا ومباشرة عما كشف من جرائم موصوفة (توزيع الموت على اللبنانيين) في استيراد الغذاء والماء والدواء الفاسد وتخزينه وبيعه من دون حسيب أو رقيب، فيقتضي على الاعلام أن يجمّل صورهم "حفاظا على صورة لبنان في الخارج"، كما قال أحدهم بالفم الملآن… حتى لا نقول من دون حياء.
فوظيفة الاعلام، من وجهة نظر الوزراء، هي التطبيل والتزمير للحاكمين سعيدا ـ أو زورا؟! ـ في دولهم، عندما لا يحدث أن تنكشف مساوئ من صنف المساوئ التي يفترض أن تسقط امبراطوريات بكاملها وليس حكومات وزراء فقط، ثم التغطية عليها الى درجة اعتبارها كأنها لم تكن في حال انكشافها ولو بالصدفة. ألم يحدد وزير الزراعة حسين الحاج حسن تلك الوظيفة الجديدة للاعلام، عندما ندد برجاله الذين يكتبون سطورا معدودة عن "انجازاته" في الوزارة، بينما يفردون صفحات كاملة للحديث عن الأغذية الفاسدة التي كانت تباع للمواطنين ربما منذ سنوات طويلة؟!.
هي مهمة "اعلان" مكشوف للحكومة ولسعادة الوزراء، وغير مدفوع (أو ربما مدفوع، لا ندري؟!) من أجل تجميل صورة لبنان في الخارج.. ولا تهم في هذه الحال، لا حياة المواطنين اللبنانيين ولا صورة الحكومة والوزراء الحاكمين سعيدا في الداخل!. والأفدح، بحسب هذا المنطق، أن السياحة ستتأثر سلبا نتيجة حديث الاعلام عن الأغذية الفاسدة والمنتهية الصلاحية، بما يعني أن مهمة الاعلام يجب أن تكون تشجيع السياح العرب والأجانب على القدوم الى لبنان. من أجل ماذا؟. من أجل قتلهم اذا، حتى لا يتوقف القتل عند حدود مضيفيهم اللبنانيين!.
…وساعتها، يستطيع معالي الوزراء أن يقولوا ان صورة لبنان في الخارج باتت أكثر اشراقا مما هي عليه الآن!.
في العالم، بما فيه ما يوصف بدول العالم المتخلفة، ان الأمن الغذائي للرعايا يتقدم في سلم الأولويات على الأمن الوطني أو القومي.
ويبدو أن الرعايا اللبنانيين، في ضوء مثل السياسة التي تمارس الآن، لا يملكون حتى مثل هذا الحق في الأمن الغذائي في ذلك السلم المخلع… أو غير الموجود اطلاقا.
ولكي يكتمل السيناريو، يفترض بهؤلاء الرعايا أن يموتوا بالطعام الفاسد الذي يوزع عليهم بالتساوي، أو جوعا خشية تناوله. وأكثر من ذلك أن يلتزموا الصمت فلا يتكلمون أو يشكون، تماما كما يفترض بالاعلام أن يكسر أقلامه ويبتلع ألسنته.