حفّار القبور

التجربة أفضل الأساتذة. لهذا تنصح زميلك:لا تضع رقم القتلى في العنوان. سيسقط آخرون بعد ذهاب الصفحة الأولى إلى المطابع. سيرتفع العدد. سيلفظ بعض الجرحى أنفاسهم. طواحين القتل لا يراودها النعاس. ستموت منازل أخرى وستتبخر عائلات جديدة. من يقتل في النهار يضاعف الليل شهيته. لا يتقيد المرتكب بالدوام الرسمي. إنه متطوع. صاحب رسالة. تغريه الضربات القاضية. والأرقام القياسية. ثم إن الليل أفضل. أكثر رقة وحنواً. يعفي القتيل من رؤية وجه القاتل. وإذا كان لا بد من الإشارة استخدم عبارة عشرات القتلى. إنها مطاطة وتتسع للإنجازات اللاحقة. ولن يخيبك المرتكب.

لصناعة الصفحة الأولى أصول وقواعد. تتفرد بالصدارة الوليمة الأكثر دموية. لا يجوز إعطاء أعلى الصفحة لقتيل واحد إلا إذا كان اغتيالاً مدوياً يعد بجثث ستأتي. للمسألة ترتيبات وأولويات. الوليمة الأقل تنتقل إلى الصف الثاني. لكن المسألة ليست جامدة أو متحجرة. غداً إذا أوردت الأنباء أن البلد الذي كان مقيماً في الصف الثاني شهد مجزرة مروعة سننقله إلى الصف الأول. ويحدث أحياناً أن تحصل منافسة شديدة على الموقع الأول بين دولتين شقيقتين.

الصفحة الأولى ليست متاحة لأي قتيل. إذا كان القتلى مجرد حفنة يمكن مواراتهم في الصفحات الداخلية. لا بد من احترام القواعد المهنية الصارمة. يجب أن يكون العدد أكبر ليشقوا طريقهم إلى الصفحة الأولى. ويجب أن تكون المقتلة جزءاً من حرب أهلية مفتوحة أو مقتربة. وباب المفاجآت يبقى مفتوحاً. أحياناً تصل الجثث فجأة بعد رسم الصفحة الأولى. ولا بد هنا من البراعة والابتكار للعثور على مكان للوافدين الجدد.

إنها أيام القتل. أراجع أعداد الشهور الماضية فينكسر قلبي. في أعلى الصفحة يتمدد خمسون قتيلاً من سورية. ويقيم تحتهم ثلاثون قتيلاً من العراق. ويسكن تحت هؤلاء عشرون قتيلاً من اليمن. وعلى مقربة منهم ووري عدد مماثل من الصومال. وفي الطبقة الأرضية من الصفحة تقيم الجثث الوافدة من باكستان وأفغانستان. لا أقصد أن الدول الأخرى لا تساهم لكن الدول التي ذكرت هي الأكثر وفاء في تزويد مشرحة الصفحة الأولى بالوجبات اليومية.

تتأخر الجثث أحياناً في الوصول. لا يساور القلق الزملاء. إنها آتية حتماً. وبعد قليل تتدفق. تحجز أماكنها.

أيام القتل. الصور تأتي وإن تأخرت أحياناً. حريق هائل لأنبوب من النفط. بقايا بشرية حول سيارة مفخخة. بيوت محروقة برائحة الحقد. وجبة من الجثث على ضفة نهر أو تحت ركام مبنى. أم تبكي ابنها الذي عاد قتيلاً من رحلة «الربيع العربي». بلدة تلتف حول الجنازات وتلوّح بالثأر. جثث صغيرة سرق المرتكبون أعينها أو الأظافر. تقضي الأصول أن لا تفجع القارئ بصور الأجزاء البشرية. تكفي صور الأمهات النادبات وأحياناً لا بد من الجثث.

هذا فظيع. الصفحة الأولى تختصر حال الأمة. أحوال هذا الإقليم المجنون. أشعر أحياناً أن جثث النهار تتجمع في مكتبي. أسمع بكاء القتلى وأشم رائحة غضبهم. لهؤلاء أمهات وزوجات وأطفال. ومصانع الأرامل والثكالى والأيتام تدور بكامل طاقتها. أشعر أن القتلى يعاتبون الصحيفة لأنها لا تنتظر الجثث التي يحملها الليل.

هذا فظيع. أشعر أحياناً أن الجثث تلحق بي. كأنها تطالب بالصراخ ضد موسم القتل الطويل. والتجربة أفضل الأساتذة. الصراخ لا يجدي. الحبر لا يمنع الدم. القاتل يحتقر صرخات الكتّاب ودموع المحزونين.

موسم القتل الطويل. صحف متخمة بالعظام. لا مكان بين مدافن الصفحة الأولى لخبر لا يقطر دماً. ما أصعب أن تخفف عن القارئ أهوال الوجبة المسمومة. صورة ممثلة فائزة بالأوسكار. عالِم كافأته جائزة نوبل. موضوع عن البيئة. تحقيق عن الصحة. تضيع الأخبار الطبيعية في حقول الموت. لا مكان لخبر مفرح في المشرحة. لا مكان للعيش العادي في الإقليم المصاب بكل سرطانات التاريخ. أنت فيه قاتل أو قتيل. أو شاهد عاجز. تستقبل النعوش وتوزعها على مقابر الصفحة الأولى. تتوهم أنك صحافي ثم تكتشف أنك حفار قبور.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل