كيف أعلن الجنرال "حرب التحرير" ؟
حوالى الساعة السابعة صباحاً من ذلك اليوم الأسود، قرع باب منزلي الوزير أبو جمره. فتحت الباب فبادرني بالسؤال وكان متجهماً:
– وهبي اولادك راحوا عالمدرسة؟
– أجبته: على همة الإنطلاق.
أبو جمره: لا ترسلهم إلى المدرسة. وفوت لعندي.
(كان ذلك بمثابة هدية عيد للأولاد الذين لم يدركوا بأن حياة الملاجىء والجرذان بانتظارهم).
بعد دقائق لحقت به إلى صالون منزله حيث كان ينتظرني؛ وازداد تجهمه.
– سألته: شو القصة؟
– أجاب: إتصل بي الجنرال منذ دقائق، وأبلغني بأنه سيعلن "حرب التحرير".
– سألته: حرب التحرير!!! كنت متعجباً. وهذه كانت أول مرة نسمع بها بالنسبة لحربنا في لبنان. وأضفت ماذا قلت له ؟!
– أبو جمره: حاولت ثنيه وقلت له: لم نعقد مجلس وزراء لبحث الأمر، ولم نتفق ولا يوجد سبب مباشر… وأمر من هذا النوع قد يجر علينا الويلات بإعلان الحرب على سوريا؛ وقد لا تنتهي إلا بقاتل ومقتول. وهل هناك من دولة كبرى تقف إلى جانبنا؟
– سألت: شو قال لك؟
– أبو جمره : أبلغني ما عليك، انا بتحمل المسؤولية… وأضاف أبو جمره: قلت له ليس هناك من سبب مباشر لرفع السقف إلى هذا الحد، سوى سقوط قذيفتي هاون ليلاً على المرفأ؛ يمكن أن نرد عليهم بقذيفتي مدفعية على المطار ونقفله كما أقفلوا المرفأ.
– سألت: شو كان الجواب؟ وهل تقف أي دولة كبرى أو متوسطة إلى جانبنا؟ ومن أوعز له بذلك برأيك؟
– أبو جمره: بيني وبينك ما حدا معنا. مين أوعز له لا أعلم. أعتقد أنه حلم ليلي. ولم أستطع منعه من ذلك.
حاولت إقناع أبو جمره بالإتصال به من جديد قبل فوات الآوان؛ لكنه كان متيقناً بأن الجنرال أخذ قراره بمفرده ولن يتراجع.
وللتاريخ، حاول أبو جمره، الذي لم يكن يعلم بنوايا الجنرال، حاول جاهداً منعه خلال الإتصال من شن تلك الحرب الخاسرة سلفاً؛ لكنه لم ينجح. والدليل على ذلك؛ بينما كنت أتحاورمعه داخل المنزل، قرع باب منزله ودخل أولاده الأربعة الذين استدعاهم عن الطريق للعودة إلى البيت وعدم إكمال طريقهم إلى المدرسة. وقال لي: " قلت له ان ينتظر شوي حتى أعيد أولادي للبيت".
كان أبو جمره مدركاً لخطورة إعلان حرب مفتوحة على سوريا، نظراً للإخلال في التوازن العسكري والسياسي ،إن لم نكن مدعومين من دولة كبرى؛ خصوصاً أن الدول الكبرى كانت تبارك الوجود السوري في لبنان لأسباب عدة لامجال لذكرها الآن؛ لكنه عجز عن ثني الجنرال.
بعد دقائق رعدت مدفعيتنا (وكنا معتادين على صوت مصدرها) ؛ فقال لي: بلش ها ….. قوم قوم التحق بمركزك.
هكذا أغرق الجنرال المسيحيين واللبنانيين في بحر من الدموع والدمار الأمني والإقتصادي والسياسي طيلة تسعة أشهر واصفاً تلك المأساة بـ"التنفيسة".
لكن لماذا وقفت القوات اللبنانية مع الجنرال في تلك الحرب !!!!
هذا ما سنراه في الحلقة المقبلة ؛ حتى لايزور أحدهم التاريخ.
(العميد الركن (م) وهبي قاطيشه مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية)