مسلسل الفضائح (تابع)…مازوت مضروب بالماء

 

كتب باسكال بطرس في صحيفة "الجمهورية": ظهرت حلقة جديدة من مسلسل الفساد الذي يبدو أنه مستشرٍ على الدوام، ويطاول كل القطاعات في لبنان… فبعد اللحوم الفاسدة على أنواعها، كرّت السُبحة ولم تتوقّف، مرورا بالمواد الغذائية والزراعية، توالت فصولاً لتشمل «فضيحة» المازوت الأحمر، التي بدأت روائحها تفوح في كل مكان ولم تنتهِ بعد…

بعد إثارة "فضيحة" المازوت وبروز اتهاماتٍ مضادة تطاول صهره وزير الطاقة جبران باسيل، شدّد رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون على "أننا لسنا متهمين بقضية المازوت"، مضيفاً "مع هذا كلهم "يتواقحون" ويشتمّون رائحة المازوت الذي سيحرقهم جميعا وقريبا".

وقد تفاعلت القضية وشكّلت محور سجال سياسي عقيم بعد تسليم معملي الزهراني وطرابلس التجار وشركات التوزيع كميات كبيرة من المازوت الأحمر بسعر مدعوم، عشية انتهاء مهلة الدعم التي كان مجلس الوزراء قد حدّدها بشهر، ما حرّف الدعم عن الوصول الى المواطنين المستهدفين به، وحوّله مادة يستغلّها الموزّعون والمؤسسات التجارية المعنيّة ويستفيدون منها لمصالحهم الخاصة، فجنوا أرباحاً قُدِّرت بـ15 مليون دولار أميركي، وهي الفارق بين السعر المدعوم وغير المدعوم الذي بيع به المازوت الأحمر للمواطنين بعد انتهاء فترة الدعم.

الى ذلك، تأخّر باسيل الأسبوع الماضي عن توقيع جدول تركيب أسعار المشتقات النفطية، كعادته كل أربعاء، بعد امتناع لجنة الأشغال النيابية عن السماح باستخدام المازوت والغاز طاقة بديلة في السيارات، معتبرا أن "السماح للسيارات العاملة على المازوت أو الغاز من شأنه أن يخفّف من أعباء فاتورة البنزين التي ترخي بثقلها على كاهل المواطنين المغلوب على أمرهم". في حين رأى رئيس نقابة أصحاب المحطات سامي براكس أن "إصرار باسيل على سيارات الغاز مردّه إلى صفقة كان قد عقدها مع الأتراك والإيرانيين"، مهدداً: "إذا لم يجدوا حلاً لمسألة الجعالة فإننا سنتوقف عن البيع نهائياً، ولن نتسلّم أي كميات من الشركات".

وفي ظل التجاذبات السياسية الحاصلة، يبدو أنّ "أبطال" فضيحة المازوت لم تكفهم الأرباح الهائلة التي حققوها على حساب الخزينة، فلم تلبث "فضيحتهم" أن تشعّبت ونمت لتلد "فضيحة" جديدة أكبر حجما وخطورة… والغشّ "ماشي"!؟

فقد علمت "الجمهورية" أنّ "آخر باخرتي مازوت أفرغتا الاثنين في 19/3/2012 في مصفاتي طرابلس والزهراني، حمولة من ملايين الليترات تحتوي فيروسات تعرف بـ "رزاز البترول ". ووفق مصادر أمنية مطّلعة، فإنّ "البضاعة التي تمّ توزيعها في السوق المحلية هي خليط من 65 % من الماء، و35 % من رواسب المشتقّات النفطيّة، وهي عبارة عن "رذاذ" محلول بنسبة لا تتعدى الـ 10 % من مادة المازوت النقي، أي أنها مخالفة وغير مطابقة للمواصفات القانونية من ناحية كمية المازوت الصافي التي يجب ألّا تقلّ عن 80 الى 90 %".

وأكد صاحب أحد صهاريج نقل المازوت لـ"الجمهورية"، أنه بعد تعبئة صهريجه مطلع الأسبوع الماضي، فحص عيّنة من الحمولة وحلّلها للتأكد من مطابقتها للمواصفات، "وصدمتني النتيجة"، مشدّدا على أنّ المادّة "غير قابلة للاشتعال"، مقدّما الإثباتات العمليّة لذلك…

وأوضح المستشار البيئي مازن عبود، في اتصال مع "الجمهورية"، أنّ "تلوّث المازوت بالماء بنسبة تتعدّى المعدّل المتعارف عليه، وهو 5 %، له تأثيرات سلبية على كلّ المعدّات، من محرّكات و"توربينات" وآلات صناعية ووسائل تدفئة…" موضحاً أنّ "نسبة التلوّث التي تتخطى الـ 45 % من شأنها أن توقف عمل المحرّكات". وأشار الى أنّ "هذا التلوّث يُعطّل القدرة الفعلية للمعدّات، بحيث تضعف قدرتها التشغيلية بنسبة 75 %". واذ أكد أنّ الماء يسبّب الصدأ والاهتراء، وبالتالي يؤدي الى تلف المعدّات"، شدد على أنّ "معالجة هذه المسألة تكبّد المواطن تكاليف إضافية باهظة من تنظيف للخزانات المخصصة للمازوت، الى تبديل قطع غيار ميكانيكية أو حتى المحرّك بكامله".

اذاً، هاجس جديد يُضاف الى سلسلة هموم يعيشها مواطنون أثقلت كاهلهم قضايا فساد سياسي واقتصادي ومعيشي لا تنتهي… فإلى جانب غلاء مادة المازوت الذي يُنهِك جيوبهم، خصوصا في خضم فصل الشتاء وبرده وأجوائه القارسة، لم يكن ينقصهم سوى الجشع والغش والاحتيال ليقضي على كل بصيص أملٍ يلوح في الأفق… فلا الوعود الرنّانة ولا الخطابات الطنّانة تعيد الدفء إلى عائلة عكارية، أو تطرد الصقيع من بيت في الهرمل، أو تشعل مدفأة في منزل شوفي أو جنوبي…

فأي حقوق ينالها المستهلك اللبناني، وأي ضمانات تقدمها الحكومات المتعاقبة الى مواطن ليس في سلّم أولوياتها؟

"استغلال معاناة الناس"… هذا هو العنوان العريض الذي لم يتبدّل منذ سنوات وسنوات، والشعار الذي يحمله كل ذي نفوذ وسلطة، في بلدٍ تتحكّم فيه سياسة الحرمان وإهمال حقوق المواطنين وحاجات المدن والبلدات إلى درجة لا تطاق، وفي بلد حَوّل السرقة فضيلة ومجاهرة، والفساد طريقة حياة، وشرّع الافلات من العقاب… في ظلّ غياب الدولة الجزئي، وأحيانا الكلي!!

هي صرخة تطلقها "الجمهورية" باسم جميع اللبنانيين، رفضاً لهذه الفئة التي تتاجر بمعاناة الناس، وتبيع ضمائرها من أجل مبلغ تافه من المال، في وقت تتوسّل عائلات الحصول على قليل من المحروقات لإنارة منازلها أو قضاء أعمال ترتزق منها، أو لتعليم أبنائها. لعلّ الضمائر النائمة تستيقظ وتتحرّك وتضع يدها على الملف وتحيله الى التفتيش المركزي ليدقّق في هذه "الفضيحة" التي يعتبر السكوت عنها مجزرة في حق كل الشعب اللبناني.

ولكن في ظل هذا الفساد المستشري الذي طاول حليب الأطفال ومأكل اللبنانيين ومشربهم، وأخيرا المازوت الممزوج بالماء، يبقى السؤال: ما الدور الذي تضطلع به الحكومة لحماية اللبنانيين وأمنهم الغذائي، وهل باتت هذه الحكومة مستقيلة من دورها على كل المستويات السياسية والديبلوماسية والأمنية وحتى الصحية، واستطرادا هل ما يسمّى نظرية "النأي" التي بقيت حبرا على ورق يمكن تطبيقها بالحد الأدنى على الملفات الحياتية بفَصلها عن الملفات السياسية والخلافات السلطوية والإدارية والمكاسب الانتخابية رأفة بالبلاد وأهلها؟ وألا تستدعي هذه الفضائح المتتالية أن تُعلن الحكومة خطة طوارئ وتستنفر المؤسسات والأجهزة الرقابية والقضائية والأمنية لوضع حد نهائي لهذا الفلتان وإعادة الثقة إلى المواطنين الذين باتوا يعيشون حالاً من الهلع والخوف من المستقبل نتيجة غياب المظلة التي تؤمن لهم الاستقرار والأمان على المستويات كلها؟!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل