هل يكفي وضوح "العهد والميثاق" الذي أصدرته "جماعة الإخوان المسلمين" في سوريا، لإسكات المخاوف المفتعلة، والمزعومة، عند بعض اللبنانيين، ولا سيما البطريرك الماروني، ومن يتستر بموقفه لاستيلادها بالإلحاح، على طريقة الجنرال (الملازم السابق) رعد؟ فنقاط البيان العشر تصلح برنامجا لأي مجموعة سياسية تتمسك بالعلمنة نمطاً يفصل الدين عن الدولة، ويرسم الخطوط والاتجاهات إلى الديموقراطية التي ينشدها الشعب السوري ويقدم الشهداء يومياً على درب الوصول إليها. ولا يتطلب حدة ذكاء استنتاج أن هذه النقاط هي رد قاطع في وجه الرئيس الروسي الذي "يقلقه" ما سماه قيام "حكم سني" في سوريا، ولا يشغله نظام ولي الفقيه على حدوده مع إيران، فيما الأول فرضية يكذّبها البيان، والثاني واقع يريد أصحابه، علناً، فرضه على الإقليم.
لكن الرسالة الواضحة الأهم، في البيان، هي التي خاطبت اللبنانيين مباشرة، بتأكيد احترام سيادة لبنان واستقلاله، من جهة، و"أخرست، من جهة أخرى، منطق الأقليات وما ينسب إليها من مخاوف حين أكدت حق العلوي والمسيحي السوريين في الوصول إلى أعلى المناصب في الدولة الجديدة، لكأن واضعي النص كانوا يخاطبون، تحديداً البطريرك الماروني، ويردون على ما قاله، في فرنسا، عن قلقه من وصول "حكم أشد من الحكم الحالي كحكم الإخوان المسلمين" وتخوّفه من أن "يدفع المسيحيون هناك الثمن سواء كان قتلاً أو تهجيراً"، مضيفاً: إذا حكم السنّة في سوريا فإنهم سيتحالفون مع إخوانهم السنة في لبنان، ما سيؤدي إلى تأزم الوضع بين الشيعة والسنة.
ما قاله البيان الإخواني، ضماناً، أن في لبنان وسوريا شعبين وبلدين، وليسا شعباً واحداً في بلدين، وأن العلاقات بينهما تكون على قاعدة احترام السيادتين وليس عبر المجلس الأعلى. وما أوضحه أيضاً أن الأقليات ليسوا أهل ذمة يحميهم النظام، بل مواطنون يحميهم الدستور وقيم حقوق الإنسان. من المصادفات، لبنانياً، أن هذا الموقف الواضح تزامن مع اعتراف القمة الروحية في بكركي بغياب دولة القانون في المجتمعات التي تشهد التحولات الراهنة، ومنها سوريا، التي رأى البطريرك الراعي، قبل فترة، أن نظامها هو "الأقرب إلى الديموقراطية في العالم العربي"، مما أثار عتب رئيس حزب القوات اللبنانية"، وترحيب الجنرال.
لكن بيان الإخوان المسلمين السوريين، ومعه بيان القمة الروحية، أكدا صواب العتب، وجهالة الترحيب. وفيما كان البطريرك يدعو في قداس عيد البشارة والسنة الأولى لتنصيبه، إلى أن "يقدّم لبنان ذاته، على مساحة دول الشرق الأوسط، نموذجاً للعيش المشترك"، لاقاه "العهد والميثاق" الإخواني السوري بتحديد الطريق الدمشقية إلى ذلك. قد تكون الصورة السورية باتت أوضح اليوم أمام البطريرك، لكن من يقنع الجنرال رعد بأن أوهامه ليست حقائق، وأن العتب "القواتي" يقرّب بين بكركي ودمشق الآتية، فيما طبول المخاوف تفرٍّق.