الخلافات التصادمية بشأن الكهرباء والتعيينات تكشف هشاشة التركيبة الحكومية المفروضة على اللبنانيين
الإهتراء الحكومي ينذر بتداعيات خطيرة والمطلوب تغيير الواقع القائم بأسرع ما يمكن
«لم يعد ممكناً تجاهل الخلافات القائمة بين مختلف مكونات الحكومة حالياً والتي تأكل من رصيدها باستمرار»
أظهرت الخلافات السياسية التصادمية بشأن المعالجات المطلوبة لمشكلة الكهرباء المستعصية على الحل، المزيد من هشاشة التركيبة الحكومية التي فرضت على اللبنانيين فرضاً منذ اكثر من سنة بقوة سلاح «حزب الله» وترهيب النظام السوري، وما يمكن ان يترتب عن إستمرارها على الوتيرة المتردية نفسها من تداعيات سلبية مضرة، ليس على الواقع السياسي العام فحسب، بل على تركيبة الدولة ككل وتراجع هيبتها وسلطتها على مختلف المرافق والشؤون العامة، وهو الامر الذي بات يهدد مصالح المواطنين ويقلقهم على مستقبلهم بعد الاستباحة المكشوفة من قبل «حزب الله» وحلفائه لمؤسسات الدولة خلافاً للقوانين، ويخلق لديهم المخاوف من تحول هذا التراجع المخيف، الى مزيد من الاهتراء الذي ينعكس سلباً في النهاية على الواقع المالي والاقتصادي للدولة، بعد إنكشاف نوايا بعض الاطراف ومخططاتهم للاستيلاء على اكبر نسبة من المال العام، تحت ستار العمل على تنفيذ المشاريع الحيوية والضرورية للناس كمشاريع الكهرباء والمياه والاتصالات وغيرها من جهة وصرف الاموال العمومية بحجة انصاف بعض القطاعات اوالفئات الوظيفية وما شابه ومن دون توفير المصادر المالية المطلوبة لتمويل هذه النفقات الكبيرة لا سيما مع حالة الانكماش الاقتصادي التي اصابت لبنان منذ مجيء الحكومة الميقاتية وحتى اليوم بفعل إنعدام الثقة المحلية والخارجية بمكوناتها السياسية كافة والازمات التي تعصف بالمنطقة على حدٍ سواء.
فمنذ اليوم الاول لتشكيل الحكومة الحالية، لم يتحقق الانسجام السياسي المطلوب بين معظم مكوناتها ولو بالحد الادنى لتسهيل انتظام العمل الحكومي واعطاء قوة الدفع اللازمة للحكومة ككل للانطلاق قدماً في المهمات الملقاة على عاتقها، بل ظهرت الخلافات جليّة بين اطرافها، بسبب تعدد توجهاتهم السياسية واختلاف نظرتهم ومقاربتهم للقضايا والامور المحلية والاقليمية على حدٍ سواء ولان مشاركتهم في الحكومة لم تأتِ عن قناعة ذاتية كما يحصل في الاوضاع العادية والطبيعية، بل فرضت عليهم بقوة الترهيب والترغيب وتحت ضغط الظروف الاقليمية والصراع الدائر على الساحة العربية.
ولذلك، وخشية من ان يكون عمر الحكومة الميقاتية قصيراً بفعل الخلافات الحادة بين اعضائها واندلاع الثورة الشعبية غير المحسوبة في سوريا، حاولت بعض الاطراف الاستفادة قدر الإمكان من مشاركتها في الحكومة للاستئثار ووضع اليد على مرافق الدولة المهمة والفوز باكبر نصيب من المشاريع الحياتية المنوي تنفيذها كما حصل لدى قيام زعيم التيار الوطني الحر النائب ميشال عون باختصار كل المراحل المطلوبة حكومياً لتنفيذ مشروع النهوض بالكهرباء عموماً، وسعيه المكشوف لتقصير هذه المراحل وعمد الى تقديم المشروع للمجلس النيابي مباشرة خلافاً لما جرت عليه العادة لدى طرح مثل هذا المشروع المهم والحيوي، وهو الامر الذي أثار إعتراضا ورفضاً من المعارضة تحديداً وبعض اطراف الحكومة ايضاً، كون المشروع لم يتضمن الضوابط القانونية المطلوبة حول كيفية صرف الاموال ولانه ينص كذلك على اللجوء إلى الخزينة العامة لتأمين الاموال اللازمة ويتجاهل عروض القروض الميسرة من الصناديق العربية والدولية بهذا الخصوص.
وهكذا ما تزال الخلافات السياسية تتفاعل بين مكونات الحكومة منذ طرح المشروع الكهربائي على المجلس النيابي، وزادت حدتها هذه الايام على خلفية الشكوك حول صفقات مشبوهة تم التحضير لها على خلفية استجار بواخر الكهرباء المحكى عنها، وزادت حدة هذه الخلافات مع ظهور تفسخ في تحالف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مع وزير المال محمد الصفدي على خلفية المشروع المطروح ظاهرياً كما يتردد، في حين ان سبب الخلاف ابعد من التباين الحاصل على مشروع الكهرباء، ويتعداه في نظر بعض السياسيين الى محاولة مكشوفة من قبل حزب الله المهيمن على الحكومة وحليفه التيار الوطني للضغط على رئيس الحكومة لتمرير المطالب السورية من الحكومة ومشاريع وزراء التيار الوطني الحر الملتبسة بمعزل عن الضوابط المطلوبة للابقاء على انتظام الحكومة الحالية واستمراريتها بأقل كلفة ممكنة ولو كان ذلك على حساب اللبنانيين وإلا فان الوزير الصفدي يكون البديل المطروح لتشكيل الحكومة الجديدة، بالرغم من كل الأقاويل والمواقف التي تقال عكس هذا الواقع حالياً، ولذلك، لم يعد ممكناً تجاهل الخلافات القائمة بين مختلف مكونات الحكومة حالياً والتي تأكل من رصيدها باستمرار، لأن هذه الخلافات لم تعد محصورة بين طرف وآخر بل تعدته إلى خلافات تشمل معظم الأطراف خلافاً لما كان قائماً منذ أشهر، إن كان الخلاف حول إقرار المشاريع الحيوية ظاهرياً كما يحصل حالياً، أو بالنسبة للتعيينات الإدارية والقضائية، أو في كيفية التعاطي مع الثورة السورية التي ترخي بتداعياتها السلبية على التحالفات السياسية داخل الحكومة وخارجها على حدّ سواء وتزيد من الاهتراء الحكومي الذي بات يشل العمل الحكومي عموماً ويؤثر سلباً على تسيير مصالح المواطنين ومؤسسات الدولة عموماً، واصبح يشكل عبئاً كبيراً وينذر بتداعيات خطيرة، إذا لم يتحسس كبار المسؤولين هذا الواقع المتردي ويعملون على تغييره قبل فوات الأوان، بدل الاكتفاء بالتغني بالاستقرار الذي بات يأكل من رصيد الدولة وهيبتها ووجودها، ويقلص ثقة النّاس بالمسؤولين فيها.