قاتلة هي عبقرية تصريحات أمين عام جامعة الدول العربية ـ ونميل إلى الظنّ أنه سيكون الأخير في تاريخ الأمانة العامّة، وتاريخ الجامعة أيضاً ـ فالرّجل مفوّه إلى حدّ لا يستطيع أي عربي ساذج احتمال «الدرر» التي يُلقيها في وجوه مواطني العالم العربي التي يستيقظون وينامون على أخبار أنهار الدماء في سوريا، فالرجل وهو ـ في كامل قواه العربية ـ صرّح متباهياً وقائلاً: «أن مجرد عقد القمة العربية في بغداد إنجاز»!! «ولك يا عرب» بلا هذا الإنجاز أشرف وأكرم وأستر وأضبّ!!
ومن يلقي نظرة على بعض من البنود العشرة التي ستناقشها القمة العربية التي ستنعقد بعد غد الخميس في بغداد وبينها بكل تأكيد ـ وبعرض متواصل ومنذ تاريخ تأسيس الجامعة 22 آذار 1945ـ القضية الفلسطينية، والصراع العربي ـ الإسرائيلي، ومكافحة الإرهاب، يكاد يقلب على ظهره من الضحك، ثمّ ينفجر بالبكاء عندما يُدرك أنّ الأزمة السورية مدرجة أيضاً على جدول أعمال الجامعة، أما الزّغلول الكبير الذي يطلقه جدول أعمال القمّة فهو بحثه إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها السلاح النووي!!
مساكين القادة العرب الذين اختتموا قمتهم العادية الثانية والعشرين والتي عقدت برئاسة المقتول «خوزقة» العقيد معمر القذافي في سرت بليبيا في 28 اذار 2010، يومها هيمنت على جدول أعمالهم مسالة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وبعلى قدم وساق الاستيطان مستمر على رغم أنف الأمم المتحدة وقرارتها وحقوق الإنسان، وبعدما اتفق الرفقاء القادة على الاجتماع في آذار 2011 في بغداد، كان قد طار أربعة منهم وتأخر انعقاد القمّة ـ بمن تبقّى من الزعماء ـ عام كامل، طاروا من دون أن يخطر لأي منهم أن يتنبّأ بأنه سيطير بعد بضعة أشهر عن كرسيّه الأبدي بعد التقاط آخر صوره التذكارية الهمشرية مع رفاقه الرؤساء، و»يدرى مين يعيش» من «الطائرين» الجدد على جناح الثورات بعد قمّة بغداد 2012 !!
«ستكون قمة مصغرة ـ أي منمنمة كتكوتة ـ يحضرها 12 زعيماً «متبقياً» على الأكثر وسيقضون اقل من 12 ساعة في بغداد وسيغادرون في اليوم ذاته من دون قضاء ليلة» في العاصمة العراقية، تخيلوا:12 زعيم، 12 ساعة، والفأل المريح هو في الـ 12 المتبقية في تاريخ العام 2012، ألا يستدعي هذا التفاؤل بأن هكذا رقم لا يتكرر إلا كل مئة عام، أما هذه الـ 12 كلّها فاحتاجت حتى الآن إلى ما يقرب من 100 ألف جندي وعنصر أمن، لتأمين مقر انعقاد القمة التي تعول العراق ـ على ما يعوّل عليه ـ عليها كثيراً للعودة إلى «بيت العرب»، ومن «بيت الأدب» لأنها منذ العام 2003 تحوّلت إلى رهينة المشروع الشيعي الفارسي العظيم للمنطقة والذي صنعه ودعمه وساهم في نجاحه الكبيرالعرب أنفسهم منذ تخلّوا عن الشعب العراقي لصدام حسين، تماماً كما يتخلّون اليوم عن الشعب السوري، فتركا الشعبين ليفترسهما الديكتاتور، ثمّ أميركا، ثمّ المشروع الفارسي للمنطقة!!
منذ ما قبل نكبة فلسطين اجتمع العرب تنفيذاً لرغبة خطاب أول ألقاه ألقى أنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا في 29 أيار 1941، وخطابٍ ثانٍ ألقاه أيدن في 24 شباط 1943 في مجلس العموم البريطاني، وبعد عام من خطاب إيدن تحقّق الحلم الإسرائيلي وقامت جامعة تغطية ضياع فلسطين، ونظرة على قائمة القمم العربية المنعقدة تكفي لتؤكّد ما ذهبنا إليه فأول قمة عربية انعقد في أنشاص، الاسكندرية، مصر 28-29 أيار 1946، أما الثانية فجاءت بعد عشر سنوات بالتمام والكمال ومن المدينة المحسودة دائماً فانعقدت في بيروت، لبنان 13-15 تشرين الثاني 1956، ولمحاسن الصدف انعقد الثالث وعرف بمؤتمر القمة العربي الأول: القاهرة، مصر 13-17 كانون الثاني 1964 أيضاً بفارق ثماني سنوات، بصراحة معه حقّ الأخ نبيل العربي»مجرّد انعقاد القمة…إنجاز»!!