ندوة عن “كرامة الجسد البشري وقدسيّته” في جامعة الروح القدس


تحت عنوان "كرامة الجسد البشري وقدسيّته"، عقدت جمعيّة "من حقّي الحياة"، بالتعاون مع مكتب شؤون الطلاب في جامعة الروح القدس – الكسليك ندوة احتفالا بيوم الحياة، برعاية وحضور صاحب السيادة المطران ميشال عون في قاعة المؤتمرات في الجامعة.

أدارت الندوة الإعلاميّة ريبيكا أبو ناضر، التي حذّرت من كثرة الاستغلال الجسدي والعاطفي والجنسي عند الأطفال والنساء خصوصا، معتبرة أن هذا الأمر يستدعي منا اليقظة والحذر ودق ناقوس الخطر.

وألقى رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ كلمة ترحيبية، قدّم فيها التهاني للمطران عون بانتخابه مؤخرا رئيسا لأساقفة جبيل، متمنيا له التوفيق في مهامه. وأبدى استعداد جامعة الروح القدس وحرصها على تقديم كل دعم يصب في مصلحة الخير العام، منوّها بأهمية هذا اللقاء الذي يتناول الإنسان من مختلف أبعاده.

وتحدث الخوري طوني الخوري، مؤسّس ورئيس الجمعيّة الذي أشار إلى "أن موضوع الندوة في توقيته وطريقة طرحه قد أثار عاصفة من ردود الفعل الإيجابيّة في الأوساط الأعلاميّة والعامّة، الأمر الذي يدلّ على وعي يتكوّن عند الرأي العامّ، رافض لطريقة التعامل مع جسد كل من الرجل والمرأة، وبخاصّة المرأة، بطريقة لا تليق بكرامة وقدسيّة الكائن البشري. واعتبر أنه "قد استطاعت وسائل الإعلام، وليس كلّها، لا سيّما في الآونة الأخيرة، من خلق أنماط حياتيّة جديدة ساهمت في إحداث تحوّلات مسلكيّة وخلقيّة خاصّة بها، بعيدة كلّ البّعد عن الأنماط الكلاسيكيّة التي بات يُنظر إليها بكثير من الإزدراء والدونيّة، الأمر الذي أدّى إلى انعكاسات سلبيّة على المجتمع بكلّ مكوّناته وإلى تعطيل للحسّ الأدبي وتنكّر للقيم الإنسانيّة والدينيّة. ونبّه إلى دقّة وخطورة هذا الموضوع، لافتاً إلى "أن المسؤولية تقع على عاتق كلّ من الدولة والمؤسّسات الدينيّة؛ فعلى الدولة، بما تملك من سلطتين تشريعيّة وتنفيذية، واجب سنّ قوانين دقيقَة وملائمة تحفظ الخير العامّ وتحميه وتعاقب من يسيء إليه؛ فالقوانين موجودة أصلاً لحماية هذا الخير ولاسيّما لحماية أخلاق الشباب. وعلى المؤسّسات الدينيّة أن تعلّم بكلّ مثابرة ووضوح الحقائق الأخلاقيّة الأساسيّة، بما فيها لاهوت وفقه الجسد، وتعمل على بناء إنسان مسؤول مستعدّ لمراقبة ذاته وتصرّفاته".

وبعد عرض الفيلم الإعلاني الخاص بيوم الحياة، تحدثت الدكتورة باميلا شرابيّة بدين، أستاذة جامعية في علوم الأديان التي لفتت إلى "وجود تنوّع هائل في المفاهيم والممارسات عندما نتطرّق إلى موضوع الجسد في لبنان، من رجل الدين الذي يعتبر الجسد مقدّس بمعنى أنه لا يمكن أن يدنَّس إلى "مِس موندانيتي Miss Mondanité " التي تعتني بجسدها إلى حدّ الوصول إلى الكمالية الجسدية. واعتبرت "أن التعدّد في المعتقدات وفي مواقع السلطة يؤدي إلى تناقض في الرسائل الاجتماعية والتربية الاجتماعية وفي تركيبة الهوية الفردية والجماعية"، مشيرة إلى أن الحل يكمن في إقامة حوار وتعاون بين كل السلطات المعنية لاعتماد قواعد مشتركة وإدارة حسنة للتنوّع.

أما المقدَم إيلي أسمر، رئيس مكتب حماية الآداب في الشرطة القضائيّة فأشار في كلمته إلى "أن عبارات التعرّض للأخلاق العامة والحض على الفجور هي عبارات ذات مفهوم متغير وفقاً للزمان والمكان والتقاليد والعادات. أما التعاليم الدينية التي تتناول هذه المسألة فهي ذات مفاهيم ثابتة لا تتغير، على عكس القوانين الوضعية الجزائية". كما لفت إلى أن استعمال المراة في الإعلان مسموح شرط الا يتعرّض للأخلاق والآداب العامة ويحض على الفجور. فالقانون لم يحدّد سقف المسموح، والقضاء يتعامل مع هذه القضايا بشكل استنسابي وفقا لكل حالة. والقانون يعاقب كل ما يحض على الفجور ويتعرّض للأخلاق العامة في إحدى وسائل النشر (الدعاية والإعلان) بالحبس من شهر إلى سنة وبغرامة مالية.

ثم كانت مداخلة للقاضي الشيخ يحيَ الرّافعي الذي أشار في المقدّمة إلى "أن أجمل ما يمكن أن نتقدم به في الإفادة بمكانة الجسد الآدمي في الإسلام هو الآية القرآنية: "ولقد كرّمنا بني آدم …"، مؤكدا على حرص الفقهاء على تكريم الجسد والمحافظة عليه حيث عُدّد ذلك من الأصول الخمسة الواجبة الحفظ في الشريعة الإسلامية … كما أشار إلى "أن الاعتداء على الجسد الأنثوي هو أكثر شناعة وبشاعة لكون الأنثى في محل أرفع من محل الرجل بما يتلاءم مع لين طبيعتها وكرامة إنسانيتها… وشدّد على وجوب تكريس المبادئ القانونية المحافظة على حقوق المرأة ولمنع التعدّي عليها. وهنا ينبغي أن نضع المتاجرة بجسد المرأة في إطار الإنسانوي (الإنسانية المبالغ فيها) وليس في إطار الجندري (بمعنى الجنسي الذكري الأنثوي) وفي وجود ذكور وإناث للتجارة. وختم مؤكدا أن جسد الإنسان (الذكر والأنثى) مكرّم في الإسلام حيّاً وميتاً.

وتحدث الخورأسقف وهيب الخواجه، أمين عام مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان الذي ردّد "إن الإنسان نفس وجسد غير أنه واحد حقا" (فرح ورجاء 14)، فوحدة الشخص البشري في عقله وحريته وضميره وجسده، مشيراً إلى أنه "بفضل اتحاده بالنفس لا يجوز اعتبار الجسد مجرد كتلة مادية ومجموع أعضاء ووظائف وطاقات، أو النظر إليه كما ننظر إلى أجساد الحيوانات. إنه حقيقة شخصية مميزة، علامة ومكان للعلاقة مع الآخرين ومع الله ومع العالم" (الحياة هبة الله 3؛ إنجيل الحياة 23). كما اعتبر "أن قدسية الجسد وكرامته تتجلى في علاقته بقيمة الحبّ والعطاء اللذين يثمران حياة. يحدث هذا التجلّي بشكل خاصّ في الزواج حيث يقول الشريك لشريكه: هذا هو جسدي. يحدث أيضا في كل أشكال العطاء التي تتجسد في حركة الأجساد وطاقاتها".وعن قدسية الجسد قال: "كل ما خلق الله حسن، فما من شيء يجب رفضه، بل يجب قبول كل شيء بحمد، لأن كلام الله والصلاة يقدسانه" (أثيم 4:4-5)."فليعرف كل واحد منكم كيف يصون إناءه في القداسة والكرامة، فلا تستولي عليه الشهوة كالوثنيين الذين لا يعرفون الله…) (اشا 4:4-5).

وألقى الشيخ حسين الخشن، مدير دائرة الحوزات العلميّة في مؤسّسة السيد محمّد حسين فضل الله كلمة تناول فيها معنى كرامة الجسد ومظاهر التكريم الإلهي، متطرّقا إلى مخاطر"تجسيد" الإنسان، فاعتبر "أنه عندما نتداعى للحديث عن استغلال جسد الإنسان ولا سيما جسد الأنثى في وسائل الإعلام أو غيرها، فإن علينا أن نفتش عن السبب الذي أوصلنا إلى هذا الواقع المهين، فإن المشكلة لا تكمن في تجاوزات عابرة أو مجرد ممارسات خاطئة، بل هي تكمن في ثقافة خاطئة ورؤية مشوّهة. إن المشكلة باعتقادي هي في سيطرة الثقافة المادية الاستهلاكية على العقول، وهي ثقافة أخلّت وتلاعبت بالتركيبة الإنسانية والتوازن الذي فطرنا الله عليه وأودعه فينا، وهو التوزان القائم على ثنائية المادة والروح، فتم تغليب المادة على الروح، وعُمل على تسليع الإنسان وتشويه إنسانيته ومسخ روحه، وهكذا أخلد الإنسان من خلال الثقافة المهيمنة اليوم إلى الأرض والطين وأبى أن يرتفع إلى مستوى التكريم الإلهي الذي أراد له السمو ليكون أفضل من الملائكة. وأكد "أنه في مواجهة كل هذا الواقع الإعلاني الذي يمتهن الإنسان ويتاجر بجسده: إن المطلوب أن نعمل ثقافيا وتربويا لنؤكد على أن الإنسان ليس جسدا، والمرأة ليست جسدا، الإنسان روح تتعانق مع الجسد، وجسد يسمو بسمو الروح ، وعندما نتعامل مع الإنسان على هذا الأساس فلن يبقى وجود لهذا المستوى من الإعلان الرخيص والهابط … وأوضح ختاما "أننا لا نريد بشيء مما قدّمناه أن نقيّد الحريات الإعلامية ، فمن الضروري أن يكون الإعلام حراً، ولكن الحرية – كما تعلمون- لا تساوي الفوضى ولا تبرر نشر الرذيلة، إننا نريد لإعلامنا أن يكون إعلاما هادفاً وليس عابثاً وأن يكون رساليا وليس إعلاما سوقيا".

أما المداخلة الختامية فكانت لرئيس أساقفة جبيل المطران ميشال عون، الذي أكد "أن احترام كرامة الشخص أمر واجب تجاه كل إنسان، لأنه يحظى بكرامة خاصة ويتمتع بقيمة شخصية لا تمحى أرادها الله للإنسان منذ البدء بفعل الخلق ذاته. لذلك كان هذا النشاط الذي قامت به الجمعية للتركيز على أهمية الإنسان بكليته إن من خلال تسليط الضوء على الإعلانات التي تستعمل الجسد أحيانا كسلعة تجارية، أو من خلال الألبسة والموضة التي لا تحترم قدسية الجسد والتي تبغي فقط إظهار المفاتن الخارجية".

وأضاف: "إن الكنيسة مقتنعة بأن الإيمان لا يقبل كل ما هو إنساني ويحترمه وحسب بل يقوم بتنقيته ويرفع من شأنه ويسير به إلى كماله. فبعد أن خلق الله الإنسان على صورته كمثاله (رج تك 26:1) وصف خليقته بأنها "حسنة جدّا" (تك 1: 31) ومن ثم اتخذها في نفسه بتجسد الابن (رج يو 14:1). لقد أكّد ابن الله بتجسده كرامة الجسد والنفس، أي الإنسان بكامله. فالمسيح لم يزدر جسدانية الإنسان بل أظهر معناها وقيمتها بشكل كامل: "فبالحقيقة لا تلقى الأضواء الحقة على سر الإنسان إلا من خلال سر الكلمة المتجسد". فعندما صار واحدا منا، جعلنا الابن قادرين على أن نصير أبناء الله (يو 1:12) و"شركاء في الطبيعة الإلهية" (2 بط 4:1). إن هذا الواقع الجديد لا يتعارض البتّة مع كرامة الخليقة التي يعترف العقل البشري بها، بل يرفع من شأنها ويفتح أمامها أفق حياة أسمى، أي حياة الله نفسه ويسمح لن بأن ننظر لحياة الإنسان ولقيمة الجسد بطريقة أنسب".

ورأى "أنه على ضوء معطيات الإيمان هذه، يكتسب احترام الفرد البشري، الذي يفرضه علينا العقل، تأكيدا وقوة: لهذا لا وجود لتعارض بين التأكيد على كرامة الحياة البشرية والجسد وقدسيتهما. "إن الأساليب المتعددة التي بها يسهر الله على الإنسان والعالم في التاريخ تتساند وتتدخل، إذ تصدر جميعها عن قصد حكمة الله ومحبّته الذي به يعدّ الناس "ليكونوا على شبه صورة ابنه" (رو 29:8)".

وتابع: "استنادا إلى البعدين الإنساني والإلهي نفهم بشكل أفضل سبب قيمة الإنسان غير القابلة للانتهاك: فالإنسان مدعو منذ الأزل ليشترك في محبة الله الحي الثالوثية. وللجسد قيمة كبيرة لأنه يعكس ما في داخل الإنسان من قيم وأبعاد روحيّة. ألم يقل القديس بولس أن جسدنا هو هيكل الروح القدس، وأن علينا أن نمجد الله في جسدنا".

وختم المطران عون: "فالإنسان ببعده الروحي والجسدي يجب أن ينال ملء الاحترام، وذلك في كافة مراحل وجوده وفي كل ما يقوم به لأنه مخلوق على صورة الله ويجب أن ينعكس فيه "وجه ابن الله الوحيد… إن محبة الله اللامحدودة هذه والتي يصعب على الإنسان إدراكها، ظهر لنا إلى أي مدى يستحقّ الشخص البشري أن يكون محبوبا لذاته، دون الرجوع لأي معيار آخر كالذكاء والجمال والصحّة والشباب والكمال الجسدي… إلخ. وبالتالي فالحياة البشرية بكل أبعادها هي دائما أمر صالح، لأنها "ظهور الله على الأرض، علامة حضوره وأثر مجده" (إنجيل الحياة 34) ".

ثم جرى توزيع الدروع على المشاركين، بالإضافة إلى تقديم الجوائز المالية على طلاب كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في الجامعة الذين فازوا في مسابقة أفضل ملصق وفيلم إعلاني عن "يوم الحياة 2012"، فحلّت في المرتبة الأولى فرح مطر، فيما فازت يارا وبولس بالمرتبة ثانية وناتاشا سمعان بالمرتبة ثالثة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل