#dfp #adsense

لا زهرة ولا زنبقة ولا أثر

حجم الخط

تسعى قطر الى اقتناء اللوحات الفنية المتاحفية كلما قدّر لها ذلك، بآلاف الملايين. تريد أن تبني إطاراً تاريخياً في ارض مُتّعت بالثروة، وحرمت حجارة الماضي، والأعمدة الشاهدة على عتق الجذور. وقد بنى الشيخ محمد بن راشد فوق رمال دبي أحدث وأعجب المدن المستقبلية. لكنه روى لي انه يذهب بنفسه الى الصحراء، باحثاً ومنقباً عن الآثار التي تشهد على تاريخ بلده، وكلما عاد بأثر، شعر بأنه بنى ألف عمارة.

آخر آثار بيروت يريدون طمرها في ساحة البرج (راجع مقال فيليب سكاف، الاربعاء الماضي) من أجل مبنى جديد. كل ما يذكّر بيروت بعراقتها، يجب ان يمحى. كل ما يربطها بالحضارات التي مرّت بها أو عليها، يجب أن يُزال. ذهبت الدولة اللبنانية برمتها الى الدوحة لكي تتمكن من الاتفاق على مقعد نيابي، وهذه الدولة لم تلحظ، برمتها، أن هناك من يريد طمر بيروت الرومانية، نكاية بما بقي ظاهراً من بيروت المملوكية والبيزنطية والعثمانية والفرنسية، هذا المتحف البديع في الهواء الطلق يجب أن يستبدل برخصة بناء، مقالع حجارة في المدينة، ومرامل وكسارات في الجبال.

ما هي بيروت؟ ليست عاصمة لبنان، لأن لبنان يرفض أن يكون دولة. هو بقعة في الأرض يُفسد كل شيء فيها، من غير أن تجرؤ على تسمية فاسد واحد. بقعة تُجَرجَر فيها إمرأة أثيوبية جائعة وفي الطريق على "اليوتيوب"، ثم تترك لموتها لأنها لا تملك ثمن الرشوة. هي بقعة في الشرق، تهاجر دفعة واحدة الى أصغر وأحدث بقاع الشرق، لكي تستأذنها بانتخاب رئيس للجمهورية، وترسيم قانون الانتخابات، في اعتق دولة برلمانية في الشرق.
بيروت، درة المتوسط، لا يمكن ان تكون عاصمة لهذا المستنقع الآسن، الذي سوف تطمر حجارته الرومانية الآن.

سماها الفينيقيون بيروت، أي الربيع، قبل ربيع الآخرين بثلاثة آلاف عام. وها هي ساحتها، انظروا الى ساحتها، لا وردة ولا حديقة ولا زنبقة. تضربوا على ها الذوق.
عوّض زايد بن سلطان قحط ابو ظبي بأن زرع كل شيء، حتى البحر، عند الكورنيش. استورد الشجر من ماليزيا. وتبيع مزارع الكويت الصناعية القرنفل لهولندا. ولو زهرة او عشب في ساحة بيروت. وغداً لا حجارة رومانية في الواحة الوحيدة التي تتجاور فيها المآذن والقباب، المؤذن والكاهن، والتاريخ، منذ التاريخ الى يوم اقتلاع حجارة التاريخ، من أجل رخصة بناء.

في فيلم يوسف شاهين "الاسكندرية كمان وكمان" يتوقف المنقّب عن الحفر خوف ان يرتطم المعول بقبر الاسكندر! نحن تركنا المتحف الوطني يهترئ بالرطوبة، لولا مبادرة منى الهراوي. والآن رخصة بناء قرب أقدم كلية للحقوق في العالم. وقبلها رفعنا صورة أمير قطر عند مدخل كلية الحقوق في الحمراء، لأنه تبرع باعادة تأهيل المكتبة "الوطنية".

بلد أحرق وسرق مكتبته الوطنية في الحرب، ثم لم يجد في ديونه مبلغاً يؤهلها به، بلد هو أمُّ النشر والكتاب والتأليف ودار إمارة الشعر، يستجدي تأهيل مكتبته "الوطنية" ويرفع فوقها صورة راعيها. لم يبق شيء إلا احلناه على قطر: مقعد الرميل، تعمير الجنوب، انتخابات الرئاسة، والمكتبة "الوطنية".

ماذا عن حجارة العصر الروماني؟
بعد الاعتصام الذي دام سنتين في وسط البلد، وأفرغ المدينة من اقتصادها، وأعاد تلقائياً قسمتها الى شرق وغرب، قال نائب في مديح ما فعلوا: "كان ذلك انتصاراً للعروبة"! راجعوا لائحة الانتصارات، وخصوصاً تلك التي حققتها العروبة. نحن، لم تعد لنا تلك الاحلام الكبرى. ولا مطالب، لأننا نعرف مصيرها سلفاً. ولا كهرباء، "لأنو طلع الحق علينا". الناس الذين ينقّون يريدون نوراً بدل أن يسجدوا ويشكروا نعمة العتم ومنحة الوجود ومنة الزعامات. ألا يكفيكم اننا أسيادكم؟ انكم ولدتم في زمننا وفي ظلنا؟

انسوا ولا تقارنوا. فلقتونا مطالب، وانتم تعرفون (حلّكم تعرفوا) أن كل واحد وطنه على ظهره. وصلت الكهرباء الى قرى لبنان قبل زمن من وصولها الى بعض البلدات السعودية. كان عندنا مطار دولي قبل سنوات من مطار الكويت. كان لدينا شركتا طيران قبل أن تعرف دول عربية كثيرة الطيران.

يروي محمد الفطيم، أحد كبار تجار أبو ظبي، في كتابه "من المحل الى الغنى" أنه حدث أواخر الخمسينات فيضان أعقبه برد قارس، فأسعفتهم السلطات البريطانية بالمساعدات، ومنها الأطعمة المعلبة. يقول: كنا نراها للمرة الأولى ولم نعرف ماذا نفعل بها. هل تطبخ أم تؤكل باردة؟ كان في لبنان مئة سيارة عام 1909.

آخر عقود أبو ظبي قبل سنتين كان مع اللوفر. لا، ليس النفط وحده، بل الآدمية، واحترام النفس، الذي شرطه الاول احترام الناس، وعدم سرقة تاريخها، وعدم طمرها بسموم الأطعمة الفاسدة، وعدم اغراقها بالضمائر الفاسدة والكلام الفاسد والفجور الفاسد. قبل أن تطمروا مقلع الحجارة الرومانية ضعوا إشارة ضوئية للمشاة. الحظوا لهم رصيفاً في أي تخطيط. وقولوا لنا هل ضبطتم السائق الفاجر الذي حوّل أحد الكهنة الى فتات من اللحم على الاوتوستراد؟ اخبرونا لماذا تمتدحون جميع الأمم وتعلنون ولاءكم لها فوق مزيج هذه البقعة التي عاصمتها أجمل حوريات المتوسط، منذ سماها الفينيقيون، الى ان اقتلع حجارتها اللبنانيون. هذه بقايا روما، أيها السادة، خلوا شيئاً من البقايا للبنان.

هذه بيروت، الثغر الذي حل محل ازمير والاسكندرية ونابولي، المدينة التي حلم الانتداب الفرنسي بأن تكون بوابته الى آسيا. الشاطئ الذي لم يتوقف عن الاياب اليه الموج والحضارات. فسيفساء الشرق ولوحة الملتقيات. لماذا إزالة المعالم والشواهد. هل التاريخ أيضاً جريمة؟

في بلاد الناس اذا سكن شاعر أو فنان او موسيقي مكاناً حوّل بيته متحفاً. كان قرب منزلنا في لندن بيت كوميدي تلفزيوني عادي يدعى بيني هيل. ما إن غاب حتى ضمّ منزله الى "الارث الوطني". دعك من منازل هوغو ودوستويفسكي، ومن ضرائح العظماء. دعك من روما نفسها التي لا تزال تجتذب الى رخامها العبقري ملايين البشر. حجارة بعلبك تسرق وحجارة بيروت تطمر. وما من حديقة في بيروت أو زهرة. اعتصامات وفواصل من اسلاك. وسواقون مفترسون ضد شعب لم يعط رصيفاً واحداً، إلاّ ما بقي من أيام تركيا عند الكورنيش.

انتحب مراسل "الانديبندنت" روبرت فيسك عام 2001 على مذبحة الحجارة الرائعة في المدينة. والمتحف اقامه لنا الفرنسيون قبل عام من الاستقلال، والحمد لله. وإلا كنا جعلناه مبنى أو كاراجاً. لا تلمسوا الذكريات الجميلة. كلها استعماري مخلوط بغياب الحرية ولكن بحضور الذوق والنحت والفنون والجامعات التي لا مثيل لها في اي مكان من العالم العربي. من هنا الى الصين.

كنا الدولة العربية الثانية تعرف التلفزيون، بعد العراق. الآن يسرقون أرشيفه ويعرضونه للبيع، كما يقول الوزير وليد الداعوق، في أي درجة أو مرتبة أصبح ثاني تلفزيون في بلاد العرب؟ أي شاشة عرفت أحداً مثل ليلى رستم التي ابتدعت أدب "التوك شو" في الستينات؟

حرام عليكم بيروت. أهل الأرض يحسدونها وانتم تطمرونها. أهل كمبوديا قطعوا أوصال ثلاثة ملايين بشري أيام منقذها الباسم، بول بوت، ولم يلمسوا حجراً من حجارتها.
خافوا البقاء في العراء، لا تاريخ ولا فصول ولا حكايات تروى للأطفال على مقاعد المدارس. أو في احضان الامهات. أو في أحضان السيري لانكيات، الأمهات بالوكالة.

يسمي الفرنسيون مبانيهم الجميلة "الحجارة"، والمباني التجارية "الجدران. يطلقون على الجادات والأزقة الاسماء التاريخية. اشترى الاميركيون مقاطع من تاريخ العالم القديم ووضعوها داخل المتاحف لأنهم لا يملكون تاريخاً قديماً. يضع البريطانيون في متاحفهم الحجارة الصغيرة التي حملوها معهم أيام العصور الاستعمارية. أغلى ذكرى حملها نابوليون من مصر المسلة الفرعونية. نصف آثارنا في فرنسا، والحمد لله، لأنها محمية على الأقل من السرقة والبيع لمافيات أوروبا.

ذهبت مرّة الى جزيرة كريت. كنت أحب كثيراً نيكوس كازانتزاكيس، قرأت كل كلمة كتبها. وبسببه احببت جزيرته. بحثت عن كريت هناك فلم أجدها. الآثار عبارة عن بقايا جلول بيضاء لا تنمو فيها سوى شجاعة الزيتون، وحجارة مبعثرة هنا وهناك، فأين هي كريت إذاً؟
أين كان يقول "وقفت وتأملت في البعيد، الشاطئ الليبي"؟

كان يجب أن أدرك أنها موجودة في حب كازانتزاكيس لأرضه. اليونان المليئة بالكنوز والفلاسفة والمسرح والآداب، احتفلت بخمسين عاماً على وفاته عام 1957 بقطعة نقد ذهبية وجهها العلم الوطني، والوجه الآخر صورة الرجل الذي أعاد آدابها الى الحياة في "زوربا اليوناني" ثم في "تقرير الى غرفكيو"، الرسام الكريتي الذي أغنى فنون البندقية في القرن السادس عشر، يوم كانت كريت جزءاً منها.

ما هي كريت دون مدفن كازانتزاكيس في جدار حديقة الكنيسة؟ وما هي البندقية من دون متحفها؟ وما هي روما من دون حجارتها؟ وما هي بيروت، حيث المطمور، وما سيطمر، أجمل مما ينبت من دون زهرة حوله؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل